الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب استيلاء الكفار ) .

شامل لشيئين استيلاء بعضهم على بعض واستيلائهم على أموالنا فقدم الأول ( قوله سبي الترك الروم وأخذوا أموالهم ملكوها ) لأن الاستيلاء قد تحقق في مال مباح وهو السبب لأن الكلام فيما إذا كان الكل في دار الحرب لأن الكافر يملك بمباشرة سبب الملك كالاحتطاب فكذا بهذا السبب وفي القاموس الروم بالضم جيل من ولد الروم بن عيصو رجل رومي والجمع روم والترك بالضم جيل من الناس والجمع أتراك ا هـ .

فما في النهاية من أن الترك جمع التركي والروم جمع الرومي ففيه نظر لا يخفى ( قوله وملكنا ما نجده من ذلك إن غلبنا عليهم ) اعتبارا بسائر أملاكهم أطلقه فشمل ما إذا كان بيننا وبين الروم موادعة لأنا لم نغدرهم إنما أخذنا مالا خرج عن ملكهم ولذا حل لنا أن نشتري ما غنمه إحدى الطائفتين من الأخرى لما ذكرنا ، وفي الخلاصة والإحراز بدار الحرب شرط أما بدارهم فلا ، ولو كان بيننا وبين كل من الطائفتين موادعة واقتتلوا في دارنا لا نشتري من الغالبين شيئا لأنهم لم يملكوه لعدم الإحراز فيكون شراؤنا غدرا بالآخرين فإنه على ملكهم وأما لو اقتتلت طائفتان في بلدة واحدة فهل يجوز شراء المسلم المستأمن من الغالبين نفسا أو مالا ينبغي أن يقال إن كان بين المأخوذ والآخذ قرابة محرمية كالأمية أو كان المأخوذ لا يجوز بيعه للآخذ لم يجز إلا إن دانوا بذلك عند الكرخي وإن لم يكن فإن دانوا بأن من قهر آخر ملكه جاز الشراء وإلا فلا ، كذا في فتح القدير .

( قوله وإن غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها ) وقال الشافعي لا يملكونها لأن [ ص: 103 ] الاستيلاء محظور ابتداء وانتهاء والمحظور لا ينتهض سببا للملك على ما عرف من قاعدة الخصم ولنا أن الاستيلاء ورد على مال مباح فينعقد سببا للملك دفعا لحاجة المكلف كاستيلائنا على ما لهم ، وهذا لأن العصمة ثبتت على منافاة الدليل ضرورة تمكن المالك من الانتفاع ، وإذا زالت المكنة عاد مباحا كما كان ، غير أن الاستيلاء لا يتحقق إلا بالإحراز بالدار لأنه عبارة عن الاقتدار على المحل حالا ومآلا والمحظور لغيره إذا صلح سببا لكرامة تفوق الملك وهو الثواب الآجل فما ظنك بالملك العاجل قيد بالإحراز لأنهم لو استولوا عليها فظهرنا عليهم قبل الإحراز فإنها تكون لملاكها بغير شيء ولو اقتسموها في دارنا لم يملكوا وفي المحيط يفرض علينا اتباعهم ومقاتلتهم لاستنقاذ الأموال من أيديهم ما داموا في دار الإسلام وإن دخلوا بها دار الحرب لا يفترض علينا اتباعهم والأولى اتباعهم بخلاف الذراري يفترض اتباعهم مطلقا وأفاد المصنف رحمه الله أنهم لو أسلموا فلا سبيل لأربابها عليها كذا في شرح الطحاوي ( قوله وإن غلبنا عليهم فمن وجد ملكه قبل القسمة أخذه مجانا وبعدها بالقيمة ) لقوله عليه السلام فيه إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة ولأن المالك القديم زال ملكه بغير رضاه فكان له حق الأخذ نظرا له إلا أن في الأخذ بعد القسمة ضررا بالمأخوذ منه بإزالة ملكه الخاص فيأخذه بالقيمة ليعتدل النظر من الجانبين والشركة قبل القسمة عامة فيقل الضرر فيأخذه بغير قيمته أطلقه فشمل ما إذا ترك أخذه بعد العلم به زمانا طويلا بعد الإخراج من دار الحرب كما سيأتي .

وأشار بقوله بقيمته إلى أن الكلام في القيمي لأن النقدين والمكيل والموزون لا سبيل له عليه بعد القسمة لأنه لو أخذه أخذه بمثله وذلك لا يفيد وقبل القسمة يأخذه مجانا كذا في المحيط وفي التتارخانية عبد لمسلم سباه أهل الحرب فأعتقه سيده ثم غلب عليه المسلمون أخذه مولاه بغير شيء وذلك العتق باطل ولو أعتقه بعدما أخرجه المسلمون قبل القسمة جاز عتقه عبد لمسلم أسره العدو وأحرزه بدارهم ثم انفلت منهم وأخذ شيئا من أموالهم وخرج هاربا إلى دار الإسلام فأخذه مسلم ثم جاء مولاه لم يأخذه منه إلا بالقيمة في قول محمد وما في يده من المال فهو لمن أخذه ولا سبيل للمولى عليه وأما في قياس قول أبي حنيفة فإن المولى يأخذ العبد بغير شيء لأنه لما دخل دار الإسلام صار فيئا لجماعة المسلمين يأخذه الإمام ويرفع خمسه ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين ثم رجع محمد عن قوله وقال إذا أخذه مسلم فهو غنيمة آخذه وأخمسه إذا لم يحضر المولى وأجعل أربعة أخماس العبد والمال الذي معه للآخذ فإن جاء مولاه بعد ذلك أخذه بالقيمة وإن جاء مولاه قبل أن يخمس أخذه بغير شيء ا هـ .

وفي الملتقط عبد أسره أهل الحرب وألحقوه بدارهم ثم أبق منهم يرد إلى سيده وفي رواية يعتق ا هـ .

التالي السابق


( باب سبي الترك الروم وأخذوا أموالهم استيلاء الكفار ) .

( قوله فما في النهاية من أن التركي إلخ ) قال في النهر لا مخالفة بينهما بوجه فإن كلا من الروم والترك اسم جنس جمعي حتى يفرق بينه وبين مفرده بالياء كزنج وزنجي وغاية الأمر أن الترك الذي هو جمع تركي جمع على أتراك وهذا لا ينفيه صاحب النهاية [ ص: 103 ]

( قوله وهذا لأن العصمة إلخ ) أي وكونه مباحا بعد الإحراز لأن العصمة ثبتت على منافاة الدليل وهو قوله تعالى { خلق لكم ما في الأرض جميعا } فإنه يقتضي إباحة الأموال بكل حال وإنما ثبتت ضرورة تمكن المحتاج من الانتفاع فإذا زالت المكنة من الانتفاع عاد مباحا كذا في الفتح ( قوله والمحظور لغيره إلخ ) جواب عن قول الشافعي والمحظور لا ينتهض سببا للملك بأن ذاك في المحظور لنفسه أما المحظور لغيره فلا فإنا وجدناه صلح سببا لكراهة تفوق الملك وهو الثواب كما في الصلاة في الأرض المغصوبة فما ظنك بالملك الدنيوي كذا في الفتح .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث