الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو مات العبد جاز من الصلح بقدر ما استخدم ، وبطل منه بقدر ما بقي " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال ، إذا مات العبد الذي صالحه على الدار بخدمته سنة لم يخل حال موته من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يموت في الحال قبل مضي المدة أو شيء منها فالصلح قد بطل لتلف العوض فيه قبل قبضه كتلف الثمن المعين قبل القبض ، وللمصالح أن يرجع بالدار كما يرجع البائع بالبيع .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يموت بعد مضي السنة كلها ، فالصلح قد تم وحكمه قد انبرم ، وموت العبد غير مؤثر فيه لاستيفاء المعقود عليه قبل موته .

                                                                                                                                            والحالة الثالثة : أن يموت بعد مضي بعض المدة وبقاء بعضها ، فالصلح قد بطل فيما بقي من المدة لفوات قبضه بالموت ، وأما فيما مضى من المدة المستوفاة فهو على اختلاف أصحابنا في الفساد في بعض الصفقة إذا طرأ بعد العقد هل يجري مجرى الفساد المقارن للعقد ؟ فذهب أبو إسحاق المروزي أنه يجري مجرى الفساد المقارن للعقد ، فجعل بطلان الصلح فيما مضى من المدة على قولين من تفريق الصفقة .

                                                                                                                                            أحدهما : قد بطل الصلح فيما بقي ووجب على المصالح أجرة ما استخدم فيما مضى من المدة ، وله استرجاع الدار .

                                                                                                                                            والقول الثاني : لا يبطل ، لكن يكون بالخيار بين الفسخ والمقام ، فإن فسخ رجع بالدار وغرم أجرة ما مضى من المدة ، فإن أقام فعلى قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : يقيم عليه بجميع الصلح .

                                                                                                                                            والثاني : بحسابه وقسطه .

                                                                                                                                            وقال جمهور أصحابنا : إن الفساد الحادث بعد العقد مخالف للفساد المقارن للعقد لسلامة الصفقة عند عقدها فيكون الصلح فيما مضى من المدة جائزا قولا واحدا .

                                                                                                                                            [ ص: 385 ] فعلى هذا هل للمصالح خيار فيه أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا خيار له لاستقرار قبضه وفوات رده ، فعلى هذا يقيم على ما مضى من المدة بحسابه من الصلح وقسطه ، ويرجع من الدار بقسط ما بقي من المدة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : له الخيار ؛ لأنه عاوض على مدة كاملة وصفقة سليمة ، فكان النقص فيها غبنا موجبا للخيار كالنقص في الأعيان ، فعلى هذا يكون بالخيار بين أن يفسخ الصلح فيما مضى وبين أن يقيم .

                                                                                                                                            فإن فسخ فيما مضى غرم مثل أجرة تلك المدة واسترجع الدار كلها .

                                                                                                                                            وإن أقام فعلى قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : يقيم على ما مضى بجميع الصلح .

                                                                                                                                            والثاني : بحسابه وقسطه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية