الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ( 26 ) )

يقول تعالى ذكره : ولقد خلقنا آدم وهو الإنسان من صلصال . واختلف أهل التأويل في معنى الصلصال ، فقال بعضهم : هو الطين اليابس لم تصبه نار ، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، وعبد الرحمن بن مهدي ، قالا ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن [ ص: 96 ] سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب ، وأما اللازب : فالجيد ، وأما الحمأ : فالحمأة ، وأما الصلصال : فالتراب المرقق ، وإنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ) قال : والصلصال : التراب اليابس الذي يسمع له صلصلة .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( من صلصال من حمإ مسنون ) قال : الصلصال : الطين اليابس يسمع له صلصلة .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن الحسن بن صالح ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ( من صلصال ) قال : الصلصال : الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها ، فتشقق ، ثم تصير مثل الخزف الرقاق .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : خلق الإنسان من ثلاثة : من طين لازب ، وصلصال ، وحمأ مسنون . والطين اللازب : اللازق الجيد ، والصلصال : المرقق الذي يصنع منه الفخار ، والمسنون : الطين فيه الحمأة .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) قال : هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه .

حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن مسلم ، عن مجاهد ، قال : الصلصال : الذي يصلصل ، مثل الخزف من الطين الطيب .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك ، يقول : الصلصال : طين صلب يخالطه الكثيب .

حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( من صلصال ) قال : التراب اليابس .

[ ص: 97 ] وقال آخرون : الصلصال : المنتن . وكأنهم وجهوا ذلك إلى أنه من قولهم : صل اللحم وأصل ، إذا أنتن ، يقال ذلك باللغتين كلتيهما : يفعل وأفعل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( من صلصال ) الصلصال : المنتن .

والذي هو أولى بتأويل الآية أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة ، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر فقال ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار ) فشبهه تعالى ذكره بأنه كان كالفخار في يبسه . ولو كان معناه في ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به في النتن غيره .

وأما قوله ( من حمإ مسنون ) فإن الحمأ : جمع حمأة ، وهو الطين المتغير إلى السواد . وقوله : ( مسنون ) يعني : المتغير .

واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قوله ( مسنون ) فكان بعض نحويي البصريين يقول : عني به : حمأ مصور تام . وذكر عن العرب أنهم قالوا : سن على مثال سنة الوجه : أي صورته . قال : وكأن سنة الشيء من ذلك : أي مثاله الذي وضع عليه . قال : وليس من الآسن المتغير ، لأنه من سنن مضاعف .

وقال آخر منهم : هو الحمأ المصبوب . قال : والمصبوب : المسنون ، وهو من قولهم : سننت الماء على الوجه وغيره إذا صببته .

وكان بعض أهل الكوفة يقول : هو المتغير ، قال : كأنه أخذ من سننت الحجر على الحجر ، وذلك أن يحك أحدهما بالآخر ، يقال منه : سننته أسنه سنا فهو مسنون . قال : ويقال للذي يخرج من بينهما : سنين ، ويكون ذلك منتنا . وقال : منه سمي المسن لأن الحديد يسن عليه . وأما أهل التأويل ، فإنهم قالوا في ذلك نحو ما قلنا .

[ ص: 98 ] ذكر من قال ذلك :

حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري ، قال : ثنا محمد بن كثير ، قال : ثنا مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله ( من حمإ مسنون ) قال : الحمأ : المنتنة .

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي ، قال : ثنا أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ( من حمإ مسنون ) قال : الذي قد أنتن .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ( من حمإ مسنون ) قال : منتن .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( من حمإ مسنون ) قال : هو التراب المبتل المنتن ، فجعل صلصالا كالفخار .

حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( من حمإ مسنون ) قال : منتن .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( من حمإ مسنون ) والحمأ المسنون : الذي قد تغير وأنتن .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ( من حمإ مسنون ) قال : قد أنتن ، قال : منتنة .

حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله ( من حمإ مسنون ) قال : من طين لازب ، وهو اللازق من الكثيب ، وهو الرمل .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( من حمإ مسنون ) قال : الحمأ المنتن .

وقال آخرون منهم في ذلك : هو الطين الرطب .

[ ص: 99 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( من حمإ مسنون ) يقول : من طين رطب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث