الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


سورة الحجر

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى : ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ( 1 ) ) .

قوله تعالى : ( الر تلك آيات الكتاب ) : قد ذكر في أول الرعد .

قال تعالى : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ( 2 ) ) قوله تعالى : ( ربما ) : يقرأ بالتشديد والتخفيف ، وهما لغتان .

وفي " رب " ثمان لغات : منها المذكورتان ، والثالثة والرابعة كذلك ، إلا أن الراء مفتوحة ، والأربع الأخر مع تاء التأنيث " ربت " . ففيها التشديد والتخفيف ، وضم الراء وفتحها . وفي " ما " وجهان ; أحدهما : هي كافة لرب حتى يقع الفعل بعدها ، وهي حرف جر . والثاني : هي نكرة موصوفة ; أي رب شيء يوده الذين . . . . .

و " رب " : حرف جر لا يعمل فيه إلا ما بعده ، والعامل هنا محذوف تقديره : رب كافر يود الإسلام يوم القيامة أنذرت أو نحو ذلك . وأصل رب أن يقع للتقليل ، وهي هنا للتكثير والتحقيق ، وقد جاءت على هذا المعنى في الشعر كثيرا ، وأكثر ما يأتي بعدها الفعل الماضي ، ولكن المستقبل هنا لكونه صدقا قطعا بمنزلة الماضي .

قال تعالى : ( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ( 4 ) ) .

قوله تعالى : ( إلا ولها كتاب ) : الجملة نعت لقرية ; كقولك : ما لقيت رجلا إلا [ ص: 92 ] عالما وقد ذكرنا حال الواو في مثل هذا في البقرة في قوله تعالى : ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) [ البقرة : 216 ] .

قال تعالى : ( لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ( 7 ) ) .

قوله تعالى : ( لو ما تأتينا ) : هي بمعنى لولا ، وهلا ، وألا ، وكلها للتحضيض .

قال تعالى : ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ( 8 ) ) .

قوله تعالى : ( ما ننزل الملائكة ) : فيها قراءات كثيرة كلها ظاهرة .

( إلا بالحق ) : في موضع الحال ، فيتعلق بمحذوف .

ويجوز أن يتعلق بننزل ، وتكون بمعنى الاستعانة .

قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( 9 ) ) .

قوله تعالى : ( نحن نزلنا ) : نحن هنا ليست فصلا ; لأنها لم تقع بين اسمين ; بل هي إما مبتدأ ، أو تأكيد لاسم إن .

قال تعالى : ( وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ( 11 ) ) .

قوله تعالى : ( إلا كانوا به يستهزئون ) : الجملة حال من الضمير المفعول في " يأتيهم " ، وهي حال مقدرة .

ويجوز أن تكون صفة لرسول على اللفظ ، أو الموضع .

قال تعالى : ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ( 12 ) ) .

قوله تعالى : ( كذلك ) : أي الأمر كذلك . ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف ; أي سلوكا مثل استهزائهم .

والهاء في ( نسلكه ) تعود على الاستهزاء ، والهاء في ( به ) للرسول ، أو للقرآن . وقيل : للاستهزاء أيضا . والمعنى : لا يؤمنون بسبب الاستهزاء ، فحذف المضاف .

[ ص: 93 ] ويجوز أن يكون حالا ; أي لا يؤمنون مستهزئين .

قال تعالى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ( 14 ) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ( 15 ) ) .

قوله تعالى : ( فظلوا ) : الضمير للملائكة ، وقيل : للمشركين . فأما الضمير في " قالوا " فللمشركين ألبتة .

( سكرت ) : يقرأ بالتشديد والضم ، وهو منقول بالتضعيف ; يقال : سكر بصره ، وسكرته . ويقرأ بالتخفيف ، وفيه وجهان :

أحدهما : أنه متعد مخففا ومثقلا . والثاني : أنه مثل سعد ; وقد ذكر في هود .

ويقرأ بفتح السين وكسر الكاف ; أي سدت وغطيت كما يغطي السكر على العقل .

وقيل : هو مطاوع أسكرت الشيء فسكر ; أي انسد .

قال تعالى : ( وحفظناها من كل شيطان رجيم ( 17 ) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ( 18 ) ) .

قوله تعالى : ( إلا من استرق السمع ) : في موضعه ثلاثة أوجه :

الأول : نصب على الاستثناء المنقطع . والثاني : جر على البدل ; أي إلا ممن استرق . والثالث : رفع على الابتداء . و " فأتبعه " : الخبر ، وجاز دخول الفاء فيه من أجل أن " من " بمعنى الذي ، أو شرط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث