الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم )

قوله تعالى :( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم )

واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله :( عسى الله أن يتوب عليهم ) وما كان ذلك صريحا في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات ، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة ، وترغيب كل العصاة في الطاعة . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال أبو مسلم قوله :( ألم يعلموا ) وإن كان بصيغة الاستفهام ، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا : أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته . أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره ؟ فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم .

ثم زاده تأكيدا بقوله :( هو التواب الرحيم )

[ ص: 147 ]

المسألة الثانية : قال صاحب "الكشاف" : قرئ ( ألم يعلموا ) بالياء والتاء ، وفيه وجهان :

الأول : أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا ، يعني ( ألم يعلموا ) قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم أن الله يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية .

والثاني : أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة . روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حكم بصحة توبتهم قال : " الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم " فنزلت هذه الآية .

المسألة الثالثة : قوله :( هو يقبل التوبة ) فيه فوائد :

الفائدة الأولى : أنه تعالى سمى نفسه ههنا باسم الله . ثم قال عقيبه :( هو يقبل التوبة ) وفيه تنبيه على أن كونه إلها يوجب قبول التوبة ، وذلك لأن الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه ، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين ، ويمتنع أيضا أن يكون له شهوة إلى الطاعة ، ونفرة عن المعصية حتى يقال : إن نفرته وغضبه يحمله على الانتقام ، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة ، هو أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء ، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات الباطلة ، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح ، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل ، فالمذنب لا يضر إلا نفسه ، والمطيع لا ينفع إلا نفسه . كما قال تعالى :( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) ( الإسراء : 7 ) فإن كان الإله رحيما حكيما كريما ولم يكن غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته ، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته . فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق ، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره ، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل ، أو لمعارض أو لمباين .

الفائدة الثانية : في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما إلى الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى . فاقصدوا الله بها ووجهوها إليه ، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا يخفى على الله خيرا كان أو شرا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث