الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السنة أن يخطب بعد صلاة الاستسقاء خطبتين

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( والسنة أن يخطب لها بعد الصلاة ، لحديث أبي هريرة ، والمستحب أن يدعو في الخطبة الأولى فيقول : ( اللهم اسقنا غيثا مغيثا ، هنيئا مريئا ، مريعا غدقا ، مجللا طبقا سحا [ عاما ] دائما ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك ، اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء ، [ وأنبت لنا من بركات الأرض ] اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا [ من البلاء ] ما لا يكشفه غيرك ، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا ، فأرسل السماء علينا مدرارا ) والمستحب أن يستقبل القبلة في أثناء الخطبة الثانية ويحول ما على الأيمن إلى الأيسر ، وما على الأيسر إلى الأيمن ، لما روى عبد الله بن زيد { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة ودعا وحول رداءه ، وجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن } فإن كان الرداء مربعا نكسه فجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه ، وإن كان مدورا اقتصر على التحويل ، لما روى عبد الله بن زيد أن { النبي صلى الله عليه وسلم استسقى وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه } ويستحب للناس أن يفعلوا مثل ذلك لما روي في حديث عبد الله بن زيد " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رداءه وقلبه ظهرا لبطن وحول الناس معه } قال الشافعي [ رحمه الله ] : وإذا حولوا أرديتهم تركوها محولة لينزعوها مع الثياب لأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم غيرها بعد التحويل ، ويستحب أن يدعو في الخطبة الثانية سرا ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار ليكون أبلغ ، ولهذا قال الله تعالى ( { إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } ) ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء ، لما روى أنس رضي الله عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء ، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه } ويستحب أن يكثر من الاستغفار ومن قوله تعالى : ( { استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا } ) لما روى الشعبي أن عمر رضي الله عنه خرج يستسقي فصعد المنبر فقال : ( { استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } ) استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، [ ص: 79 ] ثم نزل فقيل له يا أمير المؤمنين لو استسقيت ؟ فقال طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر " ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث عبد الله بن زيد في صحيحي البخاري ومسلم إلى قوله ( وحول رداءه ) ، وأما تمامه فرواه أبو داود بإسناد حسن ، وحديثه الآخر حديث الخميصة صحيح أو حسن رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة أو حسنة . قال الحاكم في المستدرك : هو صحيح على شرط مسلم وحديثه الآخر . وقوله " وحول الناس معه " رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده . وحديث أنس رواه البخاري ، وحديث الشعبي عن عمر رواه البيهقي .

وأما قوله " اللهم اسقنا غيثا مغيثا " إلى آخره فذكره الشافعي في الأم ومختصر المزني عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا استسقى قاله إلى آخره ، وقوله " اللهم اسقنا " يجوز وصل الهمزة وقطعها كما سبق وقوله " غيثا " هو المطر قوله " مغيثا " بضم الميم وكسر الغين ، وهو الذي يغيث الخلق فيرويهم ويشبعهم . قاله الأزهري وغيره ، وقال غيره : منقذا لنا مما استسقينا منه ، قال أهل اللغة : يقال : غاث الغيث الأرض أي أصابها ، وغاث الله البلاد أي أصابها به ، يغيثها بفتح الياء غيثا ، وغيثت الأرض تغاث غيثا فهي مغيثة ومغوثة ، هذا هو المشهور في كتب اللغة أنه إنما يقال : غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء ثلاثي ، أي أنزل المطر . وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الاستسقاء " اللهم أغثنا " بالألف رباعي . قال القاضي عياض : قال بعضهم هذا المذكور في الحديث هو من الإغاثة . بمعنى المعونة . وليس من طلب الغيث ، إنما يقال في طلب الغيث غثنا .

قال القاضي : ويحتمل أن يكون من طلب الغيث ، أي هب لنا غيثا أو ارزقنا غيثا كما يقال : سقاه الله وأسقاه ، أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما . قوله " هنيئا " هو الذي لا ضرر فيه ولا تعب ، وقيل ، هو الطيب الذي لا ينقصه شيء ، قوله " مريئا " مهموز هو المحمود العاقبة مسمنا [ ص: 80 ] للحيوان منميا له . قوله " مريعا " ضبطناه في المهذب بفتح الميم وكسر الراء وبعدها مثناة تحت ساكنة وهو من المراعة وهي الخصب ، قال الأزهري : المريع ذو المراعة ، وأمرعت الأرض أخصبت ، وقيل : المريع الذي يمرع الأرض أي تنبت عليه ، وروى مربعا بضم الميم وإسكان الراء وكسر الباء الموحدة . وروي : مرتعا مثله إلا أنه بالتاء المثناة فوق ، وهما بمعنى الأول . قوله " غدقا " هو بفتح الدال . قال الأزهري : هو الكثير الماء والخير ، وقيل : الذي قطره كبار . قوله " مجللا " فهو بكسر اللام . قال الأزهري : هو الذي يجلل البلاد والعباد نفعه ويتغشاهم خيره ، وقال غيره : يجلل الأرض أن يعمها ، كجل الفرس . قوله " طبقا بفتح الطاء والباء . قال الأزهري : وهو الذي يطبق البلاد مطره فيصير كالطبق عليها ، وفيه مبالغة ، ووقع في هذا الحديث فيما ذكره الشافعي والأصحاب والمصنف في التنبيه عاما .

قالوا بدأ بالعام ثم أتبعه الطبق لأنه صفة زيادة في العام فقد يكون عاما وهو طل يسير . قوله " سحا " هو شديد الوقع على الأرض ، يقال سح الماء يسح - بضم السين في المضارع - إذا سال من فوق إلى أسفل ، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض والقنوط اليأس ، " اللأواء " بالهمز والمد شدة المجاعة ، قاله الأزهري ( الجهد ) بفتح الجيم وقيل يجوز ضمها : قلة الخير والهزال وسوء الحال ، وأرض جهاد أي لا تنبت شيئا ( الضنك ) الضيق ( ما لا نشكو إلا إليك ) بالنون ( وبركات السماء ) كثرة مطرها مع الريع والنماء ( وبركات الأرض ) ما يخرج منها من زرع ومرعى ، ولم يذكر المصنف هنا بركات الأرض ، وذكره في التنبيه ، وذكره الشافعي والأصحاب ، وهو في الحديث المذكور . قوله ( فأرسل السماء علينا مدرارا ) كذا وقع في المهذب وفي الحديث وفي التنبيه وسائر كتب الأصحاب : فأرسل . قال الأزهري والسماء هنا [ ص: 81 ] السحاب وجمعها سمي وأسمية ، وقال الزمخشري في تفسيره : يجوز أن يكون المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب ويجوز أن يكون السماء المظلة ، لأن المطر ينزل منها إلى السحاب ، والمدرار الكثير الدر والقطر ، قاله الأزهري ، وقيل معناه غيثا مغيثا .

قوله ( فإن كان الرداء مربعا نكسه ) هو بتخفيف الكاف ، هذه اللغة المشهورة ويجوز بتشديدها ، ومن الأول قوله تعالى ( ناكسو رءوسهم ) وقرئ قوله تعالى ( ننكسه في الخلق ) بالتخفيف والتشديد ، والخميصة كساء أسود له علمان في طرفيه ، وهذا منقول عن أهل الحجاز وغيرهم ، وقال أبو عبيد : كساء مربع ، وقال الأصمعي : كساء من صوف وخز ، وقيل : كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود وهذا يوافق مقتضى هذا الحديث ، فإن قوله : خميصة سوداء يقتضي أنها قد تكون غير سوداء . وقوله ( بمجاديح ) واحدها مجدح بكسر الميم وإسكان الجيم وفتح الدال وقال أبو عبيد : يجوز كسر الميم وضمها ، قال أهل اللغة : المجدح كل نجم كانت العرب تقول يمطر به ، فأخبر عمر رضي الله عنه أن الاستغفار هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر لا الأنواء ، وإنما قصد التشبيه ، وقيل : مجاديحها مفاتيحها ، وقد جاء في رواية بمفاتيح السماء .

وقوله ( كان لا يرفع يده في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء ) وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي أحدهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الدعاء } " وهي قريب من ثلاثين حديثا سبق ذكر أكثرها في باب صفة الصلاة من هذا الشرح . وحينئذ يتعين تأويل حديث أنس هذا ، وفيه تأويلان مشهوران ( أحدهما ) أن مراد أنس لم أره يرفع ، وقد رآه غيره يرفع ، والزيادة من الثقة مقبولة والإثبات مقدم على النفي ( والثاني ) معناه لم يرفع كما يرفع في الاستسقاء ، فإنه صلى الله عليه وسلم [ ص: 82 ] رفع فيه رفعا بليغا ، وفي صحيح ، مسلم { أنه صلى الله عليه وسلم أشار بظهور كفيه إلى السماء } والله أعلم .

( أما الأحكام ) فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : يستحب أن يخطب بعد صلاة الاستسقاء خطبتين أركانهما وشروطهما وهيئاتهما كما سبق في العيد ، وفي استحباب الجلوس إذا صعد المنبر الوجهان السابقان في العيد ، والصحيح المنصوص استحبابه ، لكن يخالفها في ثلاثة أشياء ( أحدها ) يستحب أن يبدل التكبيرات المشروعة في أول خطبتي العيد بالاستغفار ، فيستغفر الله تعالى في افتتاح الأولى تسع مرات ، وفي الثانية سبعا ولا يكبر . قال بعض أصحابنا : يقول " أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه " ويختم كلامه بالاستغفار ويكثر منه في الخطبة ومن قوله تعالى ( { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ) الآية . وذكر المحاملي في المجموع أنه يكبر في افتتاح الخطبة كما في خطبة العيد وحكاه عنه أيضا صاحب البيان وغيره ، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم فإنه قال : ويخطب الإمام في الاستسقاء خطبتين كما يخطب في صلاة العيدين ، يكبر الله فيهما ويحمده ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويكثر فيهما الاستغفار ، حتى يكون أكثر كلامه . هذا نصه . ومقتضى إطلاق المصنف أنه لا يأتي بالاستغفار ، والمشهور استحباب الاستغفار تسعا في افتتاح الخطبة الأولى ، وسبعا في الثانية . وقد ذكره المصنف في التنبيه والأصحاب في جميع طرقهم .

( والثاني ) يستحب أن يدعو في الخطبة الأولى بهذا الدعاء المذكور في الكتاب وإن عدل إلى دعاء غيره جاز ، لكن هذا أفضل ، ومن الدعاء المستحب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم " { اللهم اسقنا غيثا مغيثا نافعا غير ضار ، عاجلا غير آجل ، اللهم اسق عبادك وبهائمك ، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين } . [ ص: 83 ] الثالث ) يستحب أن يكون في الخطبة الأولى وصدر الثانية مستقبل الناس مستدبر القبلة ، ثم مستقبل القبلة ويبالغ في الدعاء سرا وجهرا ، وإذا أسر دعا الناس سرا ، وإذا جهر أمنوا ، ويرفعون كلهم أيديهم في الدعاء ، وثبت في صحيح مسلم ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم " { استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء } " قال الرافعي وغيره : قال العلماء : السنة لكل من دعا لدفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء . قال الشافعي : وليكن من دعائهم في هذه الحالة " اللهم أنت أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا ، اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفنا ، وإجابتك في سقيانا ، وسعة رزقنا " فإذا فرغ من الدعاء أقبل بوجهه على الناس وحثهم على طاعة الله تعالى ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا للمؤمنين والمؤمنات ، وقرأ آية من القرآن أو آيتين ، ويقول : أستغفر الله لي ولكم . هذا لفظ الشافعي .

قال الشافعي والأصحاب : ويكثر من الاستغفار ومن قول { استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } . قال الشافعي : ويكثر الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه ، ثم روي عن عمر رضي الله عنه أنه استسقى " فكان أكثر دعائه الاستغفار " قال الشافعي : فيكون أكثر دعائه الاستغفار يبدأ به دعاءه ، ويفصل به بين كلامه ، ويختم به ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام . قلت : ويكثر من دعاء الكرب الثابت في الصحيحين { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ، رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ، رب العرش الكريم } ويستحب أيضا ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ) لحديث الصحيحين فيه ، ويستحب للإمام عند تحوله في [ ص: 84 ] صدر الخطبة الثانية إلى القبلة أن يحول رداءه للأحاديث الصحيحة السابقة ، وهل يستحب أن ينكسه مع التحويل ؟ قال المصنف والأصحاب : إن كان مدورا - ويقال له المقور والمثلث - لم يستحب ، بل يقتصر على التحويل بالاتفاق ، وإن كان مربعا ففيه قولان حكاهما الخراسانيون ( الجديد الصحيح ) وبه قطع المصنف وآخرون : يستحب نكسه ، نص عليه في الأم وغيره ، والقديم لا يستحب ، ودليل الجميع يعرف مما سبق قال الأصحاب : التحويل أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر وبالعكس ، والنكس أن يجعل أعلاه أسفله ، ومتى جعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن ، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر ، حصل التحويل والنكس جميعا . قال الشافعي والأصحاب : ويتركونها محولة حتى ينزعوا الثياب ، وقال جماعة : يتركونها محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم ، وليس هذا اختلافا ، بل يستحب تركها محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم ، وتبقى كذلك في منازلهم حتى ينزعوا ثيابهم تلك ، سواء نزعوها أول وصولهم المنازل أم بعده . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث