الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


177 [ ص: 149 ] ( 6 ) باب العمل في القراءة

152 - ذكر فيه مالك حديث علي - رضي الله عنه - وليس فيه من معنى القراءة غير النهي عن قراءة القرآن في الركوع ، وفيه النهي عن لبس القسي ، وتختم الذهب .

التالي السابق


4511 - رواه مالك وجماعة عن نافع ، ورواه جماعة عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين .

4512 - واختلف في إسناده وفي كثير من ألفاظه على إبراهيم اختلافا كثيرا ، قد ذكرنا ذلك في " التمهيد " .

[ ص: 150 ] 4513 - وعند ابن عيينة فيه إسناد لم يختلف فيه ، رواه عن عمرو بن دينار ، عن [ ص: 151 ] محمد بن علي ، قال : قال علي : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ولا أقول نهاكم - أن أقرأ راكعا ، أو ساجدا ، أو أتختم الذهب ، أو ألبس القسي ، أو أركب على الميثرة الحمراء .

4514 - وأما القسي فثياب مضلعة بالحرير يقال : لها القسية ، تنسب إلى موضع يقال له : قس ، يذكر أنها قرية من قرى مصر ، وهي ثياب يلبسها الأمراء ونساؤهم .

4515 - وقال النميري : فأدنين حتى جاوز الركب دونها حجابا من القسي والحبرات .

4516 - وقد ذكرنا في التمهيد اختلاف العلماء في لبس قليل الحرير للرجال ، وفي الثياب التي يخالطها الحرير لهم ، وبسطنا القول فيه بالآثار . والحمد لله .

[ ص: 152 ] [ ص: 153 ] [ ص: 154 ] 4517 - ويأتي من ذلك في كتاب الجامع من هذا الديوان ما فيه كفاية - إن شاء الله - .

4518 - وأما قراءة القرآن في الركوع فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز ; امتثالا لحديث هذا الباب ، وحديث ابن عباس عن النبي - عليه السلام - : " ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود ، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم " .

4519 - وقد ذكرنا الخبر بذلك مسندا في التمهيد .

4520 - وأجمعوا أن الركوع موضع لتعظيم الله بالتسبيح وأنواع الذكر ، واختلف [ ص: 155 ] الفقهاء في تسبيح الركوع والسجود .

4521 - فقال ابن القاسم عن مالك : إنه لم يعرف قول الناس في الركوع : سبحان ربي العظيم ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، وأنكره ، ولم يحد في الركوع دعاء مؤقتا ، ولا تسبيحا مؤقتا .

4522 - وقال : إذا أمكن المصلي يديه من ركبتيه في الركوع ، وجبهته من الأرض في السجود - فقد أجزأ عنه .

4523 - قال أبو عمر : إنما قال ذلك - والله أعلم - فرارا من إيجاب التسبيح في الركوع والسجود ، ومن الاقتصار على " سبحان ربي العظيم " في الركوع ، وعلى " سبحان ربي الأعلى " في السجود ، كما اقتصر عليه غيره من العلماء دون غيره من الذكر .

4524 - والحجة له قوله - عليه السلام - : " إذا ركعتم فعظموا الرب ، وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء " .

[ ص: 156 ] 4525 - ولم يخص ذكرا من ذكر ، وأنه - عليه السلام - قد جاء عنه في ذلك ضروب وأنواع تنفي الاقتصار على شيء بعينه من التسبيح والذكر .

4526 - فمنها حديث مطرف ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في سجوده : " سبوح قدوس ، رب الملائكة والروح " .

4527 - ومنها حديث عوف بن مالك أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول في ركوعه وسجوده : " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " .

4528 - ومنها أنه كان يدعو في سجوده كثيرا .

4529 - وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق : يقول المصلي في ركوعه : سبحان ربي العظيم ، ثلاثا ، وفي السجود : سبحان ربي الأعلى ، ثلاثا . وهو أقل التمام والكمال في ذلك .

4530 - وقال الثوري : أحب إلي أن يقولها الإمام خمسا في الركوع والسجود ، حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات .

4531 - وحجتهم حديث عقبة بن عامر ، وقد ذكرناه بإسناده في التمهيد عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " لما نزلت " فسبح باسم ربك العظيم " [ سورة : 74 ] [ ص: 157 ] الواقعة - قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوها في ركوعكم . فلما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " [ سورة الأعلى : 1 ] - قال : اجعلوها في سجودكم .

4532 - وحديث حذيفة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه : " سبحان ربي العظيم " ، وفي سجوده : " سبحان ربي الأعلى " .

4533 - قالوا وهو أولى ; لأنه تفسير لقوله في الركوع : " عظموا فيه الرب " .

فهذا عند جمهور العلماء في الفريضة ، وسائر ما روي عنه - عليه السلام - جعلوه أنه كان منه في صلاته بالليل ونافلته ، واقتصروا في الركوع والسجود من المكتوبات على حديث عقبة بن عامر : سبحان ربي العظيم في الركوع ، ثلاثا ، وسبحان ربي الأعلى ، ثلاثا في السجود .

[ ص: 158 ] 4534 - وكل ذلك واسع لا حرج في شيء منه ، ولا يحرج أيضا من تركه . والحمد لله الذي جعل في الدين سعة ، ولم يجعل فيه من حرج .

4535 - وأما لباس المعصفر والمفدم وغيره من صباغ المعصفر - فمختلف فيه ; أجازه قوم من أهل العلم ، وكرهه آخرون .

4536 - ولا حجة عندي لمن أباحه مع ما جاء في حديث هذا الباب من نهيه عليا عن لبس المعصفر ، إلا أن يدعى أن ذلك خصوص لعلي وحده ; لقوله : نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أقول نهاكم .

4537 - وبعضهم يقول فيه : نهاني ، ولا أقول : نهى الناس .

4538 - وهذا اللفظ محفوظ في حديث علي هذا من وجوه .

4539 - وليس دعوى الخصوص فيه بشيء ; لأن الحديث في النهي عن لباس المعصفر والقسي وتختم الذهب - كل ذلك - للرجال دون النساء - صحيح مروي من وجوه ثابتة .

4540 - وقد ذكرنا في " التمهيد " حديث عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا أركب الأرجوان ، ولا ألبس المعصفر " ، الحديث .

[ ص: 159 ] 4541 - وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عليه ثوبين معصفرين ، فأمره بحرقهما .

4542 - وذلك عند العلماء عقوبة ; لأنه لبسهما بعد علمه بالنهي . والله أعلم .

4543 - وقد جاء عن ابن عمر وغيره من أهل المدينة - جواز لبس المعصفر للنساء والرجال .

4544 - وسترى هذا المعنى واضحا في الجامع - إن شاء الله تعالى - .

4545 - وذكر ابن القاسم عن مالك قال : أكره المعصفر المفدم للرجال والنساء ; أن يحرموا فيه ; لأنه ينتفض .

4546 - قال مالك : وأكرهه أيضا للرجال في غير الإحرام .

4547 - وذكر أيضا في هذا الباب حديثه عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم التمار ، عن البياضي .

4548 - وقد ذكرنا محمد بن إبراهيم ، وأنه من التابعين ممن لقي سعد بن أبي وقاص وابن عمر ، وذكرنا روايته ونسبه ، كل ذلك في التمهيد مذكور .

[ ص: 160 ] 4549 - وذكرنا أن أبا حازم التمار اسمه دينار ، مولى الأنصار .

4550 - وعن حبيب عن مالك أن اسم أبي حازم التمار يسار ، مولى قيس بن سعد بن عبادة .

4551 - وقيل في أبي حازم التمار : إنه مولى الغفاريين ، وقيل : هو مولى أبي رهم الغفاري .

4552 - وأما البياضي فيقول : اسمه فروة بن عمرو بن وذفة بن عبيد بن عامر بن بياضة ، فخذ من الأنصار . وقد ذكرناه في الصحابة .

4553 - ومعنى هذا الحديث في النافلة ; إذا كان كل أحد يصلي لنفسه .

4554 - وأما صلاة الفريضة فقد أحكمت السنة جهرها وسرها .

4555 - وكان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجمعهم لها إلا في حديث ابن شهاب ، ويأتي في موضعه من هذا الكتاب - إن شاء الله - .

[ ص: 161 ] 4556 - وقد روى حماد بن زيد هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم التمار مولى الأنصار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معتكفا في شهر رمضان في قبة على بابها حصير ، قال : وكان الناس يصلون عصبا عصبا ، قال : فلما كان ذات ليلة رفع باب القبة ، فأطلع رأسه ، فلما رآه الناس أنصتوا ، فقال : " إن المصلي يناجي ربه ، فلينظر أحدكم بما يناجي به ربه ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة " .

4557 - أرسله حماد بن زيد ، وجاء فيه بالمعنى الذي ذكرنا .

4558 - وقد ذكرنا طرقه في التمهيد ، منها : أن الليث بن سعد رواه عن ابن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني بياضة من الأنصار أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو مجاور في المسجد ، فوعظ الناس ، وحذرهم ، ورغبهم ، وقال : " ليس مصل يصلي إلا وهو يناجي ربه ; فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " .

[ ص: 162 ] 4559 - قال الليث : وحدثنيه ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي حازم مولى الغفاريين أنه حدثهم هذا الحديث عن البياضي ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

4560 - فقد بان برواية الثقات لهذا الحديث ما وصفنا من أن مخرجه كان على ما ذكرنا .

4561 - وفي معناه : أنه لا يحب لكل مصل يقضي فرضه ، وإلى جنبه من يعمل مثل عمله - أن يفرط في الجهر ; لئلا يخلط عليه ، كما لا يحب ذلك لمتنفل إلى جنب متنفل مثله .

4562 - وإذا كان هذا هكذا ; فحرام على الناس أن يتحدثوا في المسجد بما يشغل المصلي عن صلاته ، ويخلط عليه قراءته .

4563 - وواجب لازم على كل من يطاع أن ينهى عن ذلك ; لأن ذلك إذا لم يجز للمصلي التالي للقرآن - فأين الحديث بأحاديث الناس من ذلك ؟ .

4564 - وقد روي من حديث أبي سعيد مثل حديث البياضي عن النبي - عليه السلام - ، قد ذكرناه في التمهيد .

[ ص: 163 ] 4565 - ومن حديث علي قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع الرجل صوته قبل العشاء وبعدها ، فيغلط أصحابه وهم يصلون " .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث