الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1415 [ ص: 245 ] 234 - كتاب كراء الأرض [ ص: 246 ] [ ص: 247 ] ( 1 ) باب ما جاء في كراء الأرض 1379 - مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن حنظلة بن قيس الزرقي ، عن رافع بن خديج ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع .

[ ص: 248 ] قال حنظلة : فسألت رافع بن خديج ، بالذهب والورق ؟ فقال : أما بالذهب والورق ، فلا بأس به .

1380 - مالك ، عن ابن شهاب ; أنه قال سألت سعيد بن المسيب عن كراء الأرض بالذهب والورق ؟ فقال : لا بأس به .

1381 - مالك ، عن ابن شهاب أنه سأل سالم بن عبد الله بن عمر ، عن كراء المزارع ؟ فقال : لا بأس بها ، بالذهب والورق .

قال ابن شهاب : فقلت له : أرأيت الحديث الذي يذكر عن رافع بن [ ص: 249 ] خديج ؟ فقال : أكثر رافع ، ولو كان لي مزرعة أكريتها .

1382 - مالك ، أنه بلغه ; أن عبد الرحمن بن عوف تكارى أرضا ، فلم تزل في يديه بكراء حتى مات ، قال ابنه : فما كنت أراها إلا لنا ، من طول ما مكثت في يديه ، حتى ذكرها لنا عند موته ، فأمرنا بقضاء شيء كان عليه من كرائها ذهب أو ورق .

1383 - مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه كان يكري أرضه بالذهب والورق .

وسئل مالك : عن رجل أكرى مزرعته بمائة صاع من تمر ، أو مما يخرج منها من الحنطة أو من غير ما يخرج منها ؟ فكره ذلك .

التالي السابق


31231 - قال أبو عمر : قد مضى ، والحمد لله في المساقاة مذهب مالك في كراء الأرض ، وما يجب أن تكرى به ، وما اختلف فيه أصحابه من ذلك .

31232 - وأما هذا الباب ، فإنما يقتضي إشارة كلها إجازة كراء الأرض بالذهب والورق ، ويقتضي أيضا الرد على من كره كراء الأرض بكل حال ونحن بحول الله تعالى نبين ذلك - إن شاء الله عز وجل - .

31233 - فأما حديث مالك في هذا الباب عن ربيعة ، عن حنظلة ، عن رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع فظاهره يقتضي النهي عن كرائها بكل [ ص: 250 ] حال ، إلا أن رافعا استثنى من ذلك كراءها بالذهب ، والورق .

31234 - وقد روى عنه ابن عمر هذا الخبر ، وحمله على العموم ، فترك كراء المزارع .

31235 - وروى معمر ، ويونس ، وعقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن ابن عمر : كان يكري أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج ; كان يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن كراء المزارع ، فترك ابن عمر كراءها .

31236 - ورواه جويرية ، عن مالك ، عن ابن شهاب كذلك .

31237 - وروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي بجير [ ص: 251 ] أن رافع بن خديج كان يقول : منعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نكري المحاقل .

31238 - وروى عبد الكريم ، عن مجاهد ، عن ابن رافع بن خديج ، عن أبيه ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إجارة الأرض .

31239 - فهذه الروايات في حديث رافع بن خديج ، وظاهرها أنه لا يجوز كراء المزارع بحال ، لا بذهب ، ولا بفضة ، ولا بغير ذلك .

31240 - وإلى هذا ذهب طاوس اليماني ، فقال : إنه لا يجوز كراء الأرض بالذهب ، ولا بالورق ، ولا بالعروض .

31241 - وبه قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم ، قال : لا يجوز كراء الأرض بشيء من الأشياء ; لأنها إذا استؤجرت ، وحرثها المستأجر ، وأصلحها لعله أن يحرق زرعه ، فيردها وقد زادت وانتفع رب الأرض ، ولم ينتفع المستأجر ، فمن هنا لم يجز لأحد أن يستأجرها ، والله أعلم .

[ ص: 252 ] 31242 - قال أبو عمر : هذا ليس بشيء ، وإنما كره كراءه من كرهه ; للحديث المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك .

31243 - قال أبو عمر : ومن حجة من لم يجز كراء الأرض بشيء من الأشياء - وأبي من ذلك - حديث ضمرة بن ربيعة ، عن ابن شوذب ، عن مطر ، عن عطاء ، عن جابر ، قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليزرعها ، ولا يؤاجرها " .

31244 - وقد ذكرنا أسانيد هذه الأحاديث في " التمهيد " .

31245 - وقال آخرون : جائز كراء الأرض لمن شاء ، ولكنه لا يجوز بشيء غير الذهب ، والورق .

31246 - واحتجوا بحديث طارق بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن المسيب ، عن رافع بن خديج ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إنما يزرع ثلاثة : رجل له أرض ، فهو يزرعها ، ورجل منح أرضا ، فهو يزرع ما منح ، ورجل اكترى بذهب ، أو فضة " . [ ص: 253 ] 31247 - قالوا : فلا يجوز أن يتعدى ما في هذا الحديث ; لما فيه من البيان والتوفيق .

31248 - وهو مذهب ربيعة ، وسعيد بن المسيب .

31249 - وروى ابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان لا يرى بأسا بكراء الأرض البيضاء بالذهب ، والورق .

31250 - وابن عيينة ، عن عبد الكريم الجزري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .

31251 - وابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه لم يكن يرى بكراء الأرض البيضاء بأسا بالذهب والورق .

31252 - وقال آخرون : جائز أن تكرى الأرض البيضاء بكل شيء من الأشياء ما خلا الطعام ، فإنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كله .

31253 - واحتجوا بحديث يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن يسار ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من كانت له أرض ، فليزرعها ، أو [ ص: 254 ] ليزرعها أخاه ، ولا يكريها بثلث ، ولا بربع ، ولا بطعام مسمى " .

31254 - وإلى هذا ذهب مالك ، وأكثر أصحابه ، قالوا : فقد حاجز في هذا الحديث ، ومنع من كراء الأرض بالطعام المعلوم ، وغير المعلوم .

31255 - وتأولوا في نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة أنه كراء الأرض بالطعام .

31256 - وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعا ، وفيه : المحاقلة : استكراء الأرض بالحنطة .

31257 - قالوا : وسائر طعامه كله في معناها ، وجعلوه ، من باب الطعام بالطعام نسيئة .

31258 - وقال آخرون : جائز كراء الأرض بالذهب ، والورق ، والطعام كله ، وسائر العروض كلها إذا كان معلوما .

31259 - قالوا : وكل ما جاز أن يكون ثمنا لشيء ، فجائز أن يكون أجرة في كراء الأرض ، ما لم يكن مجهولا أو غررا .

[ ص: 255 ] 31260 - وهو قول سالم ، وغيره .

31261 - وروى ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار أنه حدثه ، قال سمعت سالم بن عبد الله يقول : أكثر رافع على نفسه في كراء الأرض ، والله لنكرينها كراء الإبل .

31262 - وذكر إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثني ابن أخي جويرية ، قال : حدثنا جويرية ، عن مالك ، عن الزهري أن سالم بن عبد الله أخبره ، وسأله عن كراء المزارع ؟ فقال : أخبر رافع بن خديج عبد الله بن عمر عن عميه وكانا قد شهدا بدرا ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء المزارع .

قال : فترك عبد الله كراءها وقد كان يكريها قبل ذلك .

قال الزهري : فقلت لسالم : أفتكريها أنت ؟ قال : نعم ، قد كان عبد الله يكريها ، قلت : فأين حديث رافع بن خديج ؟ فقال : إن رافعا أكثر على نفسه .

31263 - وإلى هذا ذهب الشافعي ، وأصحابه .

31264 - ومن حجتهم حديث الأوزاعي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن حنظلة بن قيس الأنصاري ، قال : سألت رافع بن خديج ، عن كراء الأرض [ ص: 256 ] بالذهب والورق ؟ فقال : لا بأس بذلك ، إنما كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤاجرون الأرض بما على الماذيانات في إقبال الجداول ، فيهلك هذا ، ويسلم هذا ، ويهلك هذا ، فكذلك زجر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإما شيء مضمون معلوم ، فلا بأس .

قالوا : فقد أخبرنا رافع بالعلة التي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كراء المزارع .

31265 - وكذلك جهل البدل وأخبر أن كراءها بكل شيء معلوم جائز .

31266 - وروى الثوري وابن عيينة ويزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، قال : أخبرني حنظلة بن قيس أنه سمع رافع بن خديج ، قال : كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نخابر فنقول : لهذا هذا الجانب ولهذا هذا الجانب يزرعها لنا ، فربما أخرجت هذه ، ولم تخرج هذه ، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأما بذهب ، أو ورق ، فلم ينه عنه ، وهذا لفظ ابن عيينة .

31267 - قال أبو عمر : يعني وما كان في معنى الذهب ، والورق من الأثمار المعلومات .

31268 - وقيل لابن عيينة : إن مالكا يروي هذا الحديث ، عن ربيعة ، فقال : [ ص: 257 ] وما يريد منه ، وما يرجو منه ؟ يحيى بن سعيد أحفظ منه . وقد حفظناه عنه .

31269 - قال أبو عمر : رواية مالك لهذا الحديث ، عن ربيعة مختصرة ، فقد ذكرنا آثار هذا الباب كلها بأسانيدها من طرق في " التمهيد " .

31270 - وقال آخرون : جائز كراء الأرض بجزء مما يزرع فيها مكتريها بثلث ، أو ربع ، أو نصف .

31271 - واحتجوا بحديث ابن المبارك ، وغيره عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى يهود خيبر النخل ، والأرض على أن يعملوها ، ويزرعوها ، وله شطر ما يخرج فيها .

31272 - قالوا : هذا الحديث أصح من أحاديث رافع ; لأنها مضطربة المتون جدا .

31273 - وقد ذكرنا القائلين بجواز المزارعة ، وهي إعطاء الأرض على النصف والثلث والربع فيما مضى من المساقاة ، والحمد لله كثيرا .

[ ص: 258 ] 31274 - وروى سفيان ، عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وابن طاوس قالا : كان طاوس يخابر .

31275 - قال عمرو : فقلت له : يا أبا عبد الرحمن ، لو تركت هذه المخابرة ، فإنهم يزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها .

31276 - قال : حدثنا عمر ، وأخبرني بذلك أعلمهم - يعني ابن عباس - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عنها يمنح أحدكم أخاه خير له ممن يأخذ عليها أجرا معلوما ، وقدم معاذ بن جبل اليمن حين بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم يخابرون ، وأقرهم ، وأنا أعطيهم ، فأكون شريكهم ، فإن نقصوا كنت قد نقصت معهم .

31277 - قال سفيان : يقول لي نصيبي مما ربحوا ، وعلي ما نقصوا .

31278 - وذكر إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثني ابن أخي جويرية قال : حدثني جويرية ، عن مالك ، قال : سألت الزهري ، عن كراء الأرض بالثلث والربع ؟ فقال : ذلك حسن .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث