الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم

وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم كان ذكر ما يلج في الأرض وما يخرج منها مشعرا بحال الموتى عند ولوجهم القبور وعند نشرهم منها كما قال تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ‎وأمواتا وقال يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير ، وكان ذكر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها موميا إلى عروج الأرواح عند مفارقة الأجساد ونزول الأرواح لترد إلى الأجساد التي تعاد يوم القيامة ، فكان ذلك مع ما تقدم من قوله وله الحمد في الآخرة مناسبة للتخلص إلى ذكر إنكار المشركين الحشر لأن إبطال زعمهم من أهم مقاصد هذه السورة ، فكان التخلص بقوله وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ، فالواو اعتراضية للاستطراد وهي في الأصل واو عطف الجملة المعترضة على ما قبلها من الكلام . ولما لم تفد إلا التشريك في الذكر دون الحكم دعوها بالواو الاعتراضية وليست هنا للعطف لعدم التناسب بين الجملتين وإنما جاءت المناسبة من أجزاء الجملة الأولى فكانت الثانية استطرادا واعتراضا ، وتقدم آنفا ما قيل : إن هذه المقالة كانت سبب نزول السورة .

[ ص: 139 ] وتعريف المسند إليه بالموصولية لأن هذا الموصول صار كالعلم بالغبة على المشركين في اصطلاح القرآن وتعارف المسلمين .

والساعة : علم بالغلبة في القرآن على يوم القيامة وساعة الحشر .

وعبر عن انتفاء وقوعها بانتفاء إتيانها على طريق الكناية لأنها لو كانت واقعة لأتت ، لأن وقوعها هو إتيانها .

وضمير المتكلم المشارك مراد به جميع الناس .

ولقد لقن الله نبيئه - صلى الله عليه وسلم - الجواب عن قول الكافرين بالإبطال المؤكد على عادة إرشاد القرآن في انتهاز الفرص لتبليغ العقائد .

و ( بلى ) حرف جواب مختص بإبطال النفي فهو حرف إيجاب لما نفاه كلام قبله وهو نظير ( بل ) أو مركب من ( بل ) وألف زائدة ، أو هي ألف تأنيث لمجرد تأنيث الكلمة مثل زيادة تاء التأنيث في ثمة وربة ، لكن ( بلى ) حرف يختص بإيجاب النفي فلا يكون عاطفا و ( بل ) يجاب به الإثبات والنفي وهو عاطف ، وتقدم الكلام على ( بلى ) عند قوله تعالى بلى من كسب سيئة في سورة البقرة .

وأكد ما اقتضاه ( بلى ) من إثبات إتيان الساعة بالقسم على ذلك للدلالة على ثقة المتكلم بأنها آتية وليس ذلك لإقناع المخاطبين وهو تأكيد يروع السامعين المكذبين .

وعدي إتيانها إلى ضمير المخاطبين من بين جميع الناس دون : لتأتينا ، ودون أن يجرد عن التعدية لمفعول ؛ لأن المراد إتيان الساعة الذي يكون عنده عقابهم كما يقال : وأتاكم العدو ، وأتاك أتاك اللاحقون ، فتعلقه بضمير المخاطبين قرينة على أنه كناية عن إتيان مكروه فيه عذاب .

وفعل ( أتى ) يرد كثيرا في معنى حلول المكروه مثل ( أتى أمر الله ) و فأتاهم العذاب و يوم يأتي بعض آيات ربك ، وقول النابغة :


فلتأتينك قصائد وليدفع - ن جيشا إليك قوادم الأكوار

[ ص: 140 ] وقوله :


أتاني أبيت اللعن أنك لمتني



ومن هذا ينتقلون إلى تعدية فعل ( أتى ) بحرف ( على ) فيقولون : أتى على كذا ، إذا استأصله . ويكثر في غير ذلك استعمال فعل جاء ، وقد يكون للمكروه نحو وجاءهم الموج من كل مكان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث