الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التكليف بحسب الطاقة

قوله : ( ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ، ولا يطيقون إلا ما كلفهم . وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله ، نقول : لا حيلة لأحد ، [ ولا تحول لأحد ] ، ولا حركة لأحد عن معصية الله ، إلا بمعونة الله ، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله ، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره . غلبت مشيئته المشيئات كلها ، وغلب قضاؤه الحيل كلها . يفعل ما يشاء ، [ ص: 653 ] وهو غير ظالم أبدا . لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [ الأنبياء : 23 ] .

ش : فقوله : لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون - قال تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقرة : 286 ] . لا نكلف نفسا إلا وسعها [ الأنعام : 152 ] و [ الأعراف : 42 ] و [ المؤمنون : 62 ] .

وعن أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ، ثم تردد أصحابه أنه : هل ورد به الشرع أم لا ؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان ، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن ، وأنه سيصلى نارا ذات لهب ، فكان مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن . وهذا تكليف بالجمع بين الضدين ، وهو محال .

والجواب عن هذا بالمنع : فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة ، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان ، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة . ولا يلزم قوله تعالى للملائكة : أنبئوني بأسماء هؤلاء [ البقرة : 31 ] . مع عدم علمهم بذلك ، ولا للمصورين يوم القيامة : أحيوا ما خلقتم ، وأمثال ذلك - لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، بل هو خطاب تعجيز .

[ ص: 654 ] وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [ البقرة : 286 ] لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفا ، بل يجوز أن يحمله جبلا لا يطيقه فيموت . وقال ابن الأنباري : أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه ، قال : فخاطب العرب على حسب ما تعقل ، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه : ما أطيق النظر إليك ، وهو مطيق لذلك ، لكنه يثقل عليه . ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب ولو امتنع يعاقب ، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها .

ومنهم من يقول : يجوز تكليف الممتنع عادة ، دون الممتنع لذاته ، لأن ذلك لا يتصور وجوده ، فلا يعقل الأمر به ، بخلاف هذا .

ومنهم من يقول : ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه ، بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده ، فإنه يجوز تكليفه . وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى ، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده - بدعة في الشرع واللغة . فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه ! .

وهم التزموا هذا ، لقولهم : إن الطاقة - التي هي الاستطاعة وهي القدرة - لا تكون إلا مع الفعل ! فقالوا : كل من لم يفعل فعلا ، فإنه [ ص: 655 ] لا يطيقه ! وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف ، وخلاف ما عليه عامة العقلاء ، كما تقدمت الإشارة إليه عند ذكر الاستطاعة .

وأما ما لا يكون إلا مقارنا للفعل ، فذلك ليس شرطا في التكليف ، مع أنه في الحقيقة إنما هناك إرادة الفعل . وقد يحتجون بقوله تعالى : " ما كانوا يستطيعون السمع [ هود : 20 ] . إنك لن تستطيع معي صبرا [ الكهف : 75 ] . وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة ، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل ، فإن الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع ، ولو أراد بذلك المقارن لكان جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع ! فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى ، ولكن هؤلاء لبغضهم الحق وثقله عليهم ، إما حسدا لصاحبه ، وإما اتباعا للهوى - لا يستطيعون السمع . وموسى عليه السلام لا يستطيع الصبر ، لمخالفة ما يراه لظاهر الشرع ، وليس عنده منه علم . وهذه لغة العرب وسائر الأمم ، فمن يبغض غيره يقال : إنه لا يستطيع الإحسان إليه ، ومن يحبه يقال : إنه لا يستطيع عقوبته ، لشدة محبته له ، لا لعجزه عن عقوبته ، فيقال ذلك للمبالغة ، كما تقول : لأضربنه حتى يموت ، والمراد الضرب الشديد . وليس هذا عذرا ، فلو لم يأمر العباد إلا بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض ، قال تعالى : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن [ المؤمنون : 71 ] .

وقوله : ولا يطيقون إلا ما كلفهم به ، إلى آخر كلامه - أي : ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه . وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق ، لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله - دليل على إثبات القدر . وقد فسرها الشيخ بعدها .

[ ص: 656 ] ولكن في كلام الشيخ إشكال : فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار ، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي ، وهو قد قال : لا يكلفهم إلا ما يطيقون ، ولا يطيقون إلا ما كلفهم . وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد ، ولا يصح ذلك ، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به ، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف ، كما قال تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ البقرة : 185 ] . وقال تعالى : يريد الله أن يخفف عنكم [ النساء : 28 ] . وقال تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج [ الحج : 78 ] . فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ، ولكنه تفضل علينا ورحمنا ، وخفف عنا ، ولم يجعل علينا في الدين من حرج . ففي العبارة قلق ، فتأمله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث