الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

338 [ ص: 78 ] 7 - باب

إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم

ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم، وتلا: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف.

التالي السابق


حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئا.

وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه، وقال فيه: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه، ولم يذكر التيمم .

وفي هذه الرواية زيادة: " أبي قيس " في إسناده، وظاهرها الإرسال.

[ ص: 79 ] وخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال: على شرط الشيخين، وليس كما قال، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل.

وروى أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم عمرو بن العاص ، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثنوا خيرا، إلا أنه صلى بنا جنبا، فسأله، فقال: أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد، وقد قال الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا مرسل.

وقد ذكره أبو داود في " سننه " تعليقا مختصرا، وذكر فيه: أنه تيمم.

وأكثر العلماء: على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم ويصلي، جنبا كان أو محدثا.

واختلفوا: هل يعيد أم لا؟

فمنهم من قال: لا إعادة عليه، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية.

ومنهم من قال: عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد.

ومنهم من قال: إن كان مسافرا لم يعد، وإن كان حاضرا أعاد، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد .

وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال.

[ ص: 80 ] وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا: أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه.

وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وإن مات ; لأنه واجد للماء، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء.

ونقل أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " عن سفيان نحو ذلك، وأنه لا يتيمم لمجرد خوف البرد، وإنما يتيمم لمرض مخوف، أو لعدم الماء.

وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض ضرر. وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن - أيضا - وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس أجمعوا على ذلك.

وقد سبق الكلام في تفسير الآية، وأن الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة.

وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء، والسفر مظنة لعدم الماء، فإن وجد في المرض خشية الضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم، وإلا فلا.

وأما من قال من الظاهرية ونحوهم: إن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده.

وقول البخاري : " إذا خاف على نفسه المرض أو الموت " يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض، ولا يشترط خوف الموت [ ص: 81 ] خاصة، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشافعي .

والقول الثاني: لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف، إما تلف النفس أو تلف عضو منه، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر.

والحنيفية السمحة أوسع من ذلك، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ; لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم.

ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو إن اشتغل بالطهارة، ففيه عن أحمد روايتان:

إحداهما: يتيمم ويصلي، اختارها أبو بكر عبد العزيز .

والثانية: يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات يوم الخندق.

ولو احتاجت المرأة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء. وتوقف مرة في ذلك.

وأما إذا خاف العطش على نفسه، فإنه يحبس الماء ويتيمم، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة. وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم، وسمى منهم جماعة كثيرة.

وقد سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.

[ ص: 82 ] وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يردهم عن اعتقادهم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث