الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون

وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون انتقال من إبطال ضلال المشركين في أمر الربوبية إلى إبطال ضلالهم في شأن صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

وغير أسلوب الكلام من الأمر بمحاجة المشركين إلى الإخبار برسالة النبيء - صلى الله عليه وسلم - تشريفا له بتوجيه هذا الإخبار بالنعمة العظيمة إليه ، ويحصل إبطال مزاعم المشركين بطريق التعريض .

[ ص: 198 ] وفي هذه الآية إثبات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإثبات عمومها على منكريها من اليهود .

فإن " كافة " من ألفاظ العموم ووقعت هنا حالا من الناس مستثنى من عموم الأحوال وهي حال مقدمة على صاحبها المجرور بالحرف ، وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة في سورة البقرة ، وعند قوله وقاتلوا المشركين كافة في سورة " براءة " . وذكرنا أن التحقيق : أن كافة يوصف به العاقل وغيره وأنه تعتوره وجوه الإعراب كما هو مختار الزمخشري وشهد له القرآن والاستعمال خلافا لابن هشام في مغني اللبيب ، وأن ما شدد به التنكير على الزمخشري تهويل وتضييق في الجواز . والتقدير في هذه الآية : وما أرسلناك للناس إلا كافة . وقدم الحال على صاحبه للاهتمام بها لأنها تجمع الذين كفروا برسالته كلهم .

وتقديم الحال على المجرور جائز على رأي المحققين من أهل العربية وإن أباه الزمخشري هنا وجعله بمنزلة تقديم المجرور على حرف الجر فجعل " كافة " نعتا لمحذوف ، أي إرساله كافة ، أي عامة . وقد رد عليه ابن مالك في التسهيل وقال : قد جوزه في هذه الآية أبو علي الفارسي وابن كيسان . وقلت : وجوزه ابن عطية والرضي . وجعل الزجاج " كافة " هنا حالا من الكاف في أرسلناك وفسره بمعنى جامع للناس في الإنذار والإبلاغ ، وتبعه أبو البقاء . قال الزمخشري : وحق التاء على هذا التفسير أن تكون للمبالغة كتاء العلامة والراوية وكذلك تقديم المستثنى للغرض أيضا .

وقد اشترك الزجاج والزمخشري هنا في إخراج " كافة " عن معنى الوصف بإفادة الشمول الذي هو شمول جزئي في غرض معين إلى معنى الجمع الكلي المستفاد من وراء ذلك . وهذا كمن يعمد إلى كل فيقول : إنك كل للناس ، أي جامع للناس ، أو يعمد إلى " على " الدالة على الاستعلاء الجزئي فيستعملها بمعنى الاستعلاء الكلي فيقول : إياك وعلى ، يريد إياك والاستعلاء .

و " البشير النذير " تقدم في قوله تعالى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا في البقرة .

[ ص: 199 ] وأفاد تركيب وما أرسلناك إلا كافة للناس قصر حالة عموم الرسالة على كاف الخطاب في قوله أرسلناك وهو قصر إضافي ، أي دون تخصيص إرسالك بأهل مكة أو بالعرب أو بمن يجيئك يطلب الإيمان والإرشاد كما قال عبد الله بن أبي بن سلول للنبيء - صلى الله عليه وسلم - حين جاء مجلسا هو فيه وقرأ عليهم القرآن فقال ابن أبي : لا أحسن مما تقول أيها المرء ولكن اقعد في رحلك فمن جاء فاقرأ عليه ، ويقتضي ذلك إثبات رسالته بدلالة الاقتضاء إذ لا يصدق ذلك القصر إلا إذا ثبت أصل رسالته فاقتضى ذلك الرد على المنكرين كلهم سواء من أنكر رسالته من أصلها ومن أنكر عمومها وزعم تخصيصها .

وموقع الاستدراك بقوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون رفع ما يتوهم من اغترار المغترين بكثرة عدد المنكرين رسالته بأن كثرتهم تغر المتأمل لأنهم لا يعلمون .

ومفعول يعلمون محذوف لدلالة ما قبله عليه ، أي لا يعلمون ما بشرت به المؤمنين وما أنذرت به الكافرين ، أي يحسبون البشارة والنذارة غير صادقتين .

ويجوز أن يكون فعل يعلمون منزلا منزلة اللام مقصودا منه نفي صفة العلم عنهم على حد قوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أي ولكن أكثر الناس جاهلون قدر البشارة والنذارة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث