الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتب الله على نفسه الرحمة

وقوله : يفعل ما يشاء ، وهو غير ظالم أبدا - الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد ، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية ، فليس ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا ، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم ! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه ! وقياس له عليهم ! هو الرب الغني القادر ، وهم العباد الفقراء المقهورون . وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة ، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم ، يقولون : إنه يمتنع أن يكون [ في ] الممكن المقدور ظلم ! بل كل ما كان ممكنا فهو منه - لو فعله - عدل ، إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي ، والله ليس كذلك . فإن قوله تعالى : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [ طه : 112 ] وقوله تعالى : ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد [ ق : 29 ] وقوله تعالى : وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين [ الزخرف : 76 ] وقوله تعالى : ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : 49 ] وقوله تعالى : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب [ غافر : 17 ] . يدل على نقيض هذا القول .

ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله : يا عبادي ، إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا . فهذا دل على شيئين : [ ص: 660 ] أحدهما : أنه حرم على نفسه الظلم ، والممتنع لا يوصف بذلك .

الثاني : أنه أخبر أنه حرمه على نفسه ، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة ، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي ، والله ليس كذلك . فيقال لهم : هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ، وحرم على نفسه الظلم ، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه ، لا ما هو ممتنع عليه .

وأيضا : فإن قوله : " فلا يخاف ظلما ولا هضما " [ طه : 112 ] - قد فسره السلف ، بأن الظلم : أن توضع عليه سيئات غيره ، والهضم : أن ينقص من حسناته ، كما قال تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى [ الإسراء : 15 ] .

وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك ، وإنما يأمن مما يمكن ، فلما آمنه من الظلم بقوله : فلا يخاف [ طه : 112 ] - علم أنه ممكن مقدور عليه . وكذا قوله : لا تختصموا لدي [ ق : 28 ] إلى قوله : وما أنا بظلام للعبيد [ ق : 29 ] - لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه ، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن ، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم . فعلى قول هؤلاء ليس الله منزها عن شيء من الأفعال أصلا ، ولا مقدسا عن أن يفعله ، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله ، بل فعله حسن ، ولا حقيقة للفعل السوء ، بل ذلك ممتنع ، والممتنع لا حقيقة له ! !

والقرآن يدل على نقيض هذا القول ، في مواضع ، نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له ، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم ، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء [ ص: 661 ] والوصف المعيب المذموم . وذلك كقوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [ المؤمنون : 115 ] . فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثا ، وأنكر على من حسب ذلك ، وهذا فعل . وقوله تعالى : أفنجعل المسلمين كالمجرمين [ القلم : 35 ] . وقوله تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار [ ص : 28 ] - إنكار منه على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا . وكذا قوله : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ الجاثية : 21 ] - إنكار على من حسب أنه يفعل هذا ، وإخبار أن هذا حكم سيء قبيح ، وهو مما ينزه الرب عنه .

وروى أبو داود ، والحاكم في المستدرك ، من حديث ابن عباس ، وعبادة بن الصامت ، وزيد بن ثابت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم .

[ ص: 662 ] وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية ، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة ! ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل ! !

وأسعد الناس به أهل السنة ، الذين قابلوه بالتصديق ، وعلموا من عظمة الله تعالى وجلاله ، قدر نعم الله على خلقه ، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم ، إما عجزا ، وإما جهلا ، وإما تفريطا وإضاعة ، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر ، ولو من بعض الوجوه . فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ، وتكون قوة الحب والإنابة ، والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء - : جميعها متوجهة إليه ، ومتعلقة به ، بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه ، بل على إفراده بذلك ، واللسان محبوسا على ذكره ، والجوارح وقفا على طاعته .

ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة ، ولكن النفوس تشح به ، وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى . وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه ، وإن أتى به من وجه آخر . فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه منه ؟ ومن الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له ، ولو في وقت من الأوقات ؟ فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه ، لعذبهم بعدله ، ولم يكن ظالما لهم .

وغاية ما يقدر ، توبة العبد من ذلك واعترافه ، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه ، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها . لكن أوجب على نفسه - بمقتضى فضله ورحمته - أنه لا يعذب من تاب ، وقد كتب على نفسه الرحمة ، فلا يسع الخلائق [ ص: 663 ] إلا رحمته وعفوه ، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار ، أو يدخل الجنة ، كما قال أطوع الناس لربه ، وأفضلهم عملا ، وأشدهم تعظيما لربه وإجلالا : لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل

وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته ، فقال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ، إنك أنت الغفور الرحيم .

فإذا كان هذا حال الصديق ، الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - فما الظن بسواه ؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه ، الذي يتضمن معرفة ربه ، وحقه وعظمته ، وما ينبغي له ، وما يستحقه على عبده ، ومعرفة تقصيره . فسحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها ! وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية ! ! فإن لم يتسع فهمك لهذا ، فانزل إلى وطأة النعم ، وما عليها من الحقوق ، ووازن من شكرها وكفرها ، فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه ، لعذبهم وهو غير ظالم لهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث