الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه

وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه كان المشركون لما فاجأتهم دعوة الإسلام وأخذ أمره في الظهور قد سلكوا طرائق مختلفة لقمع تلك الدعوة ، وقد كانوا قبل ظهور الإسلام لاهين عن الخوض فيما سلف من الشرائع فلما قرعت أسماعهم دعوة الإسلام اضطربت أقوالهم : فقالوا ما أنزل الله على بشر من شيء ، وقالوا غير ذلك ، فمن ذلك أنهم لجأوا إلى أهل الكتاب وهم على مقربة منهم بالمدينة وخيبر وقريظة ليتلقوا منهم ملقنات يفحمون بها النبيء - صلى الله عليه وسلم - فكان أهل الكتاب يملون عليهم كلما لقوهم ما عساهم أن يموهوا على الناس عدم صحة الرسالة المحمدية ، فمرة يقولون :

لولا أوتي مثل ما أوتي موسى ، ومرة يقولون :

لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، وكثيرا ما كانوا يحسبون مساواته للناس في الأحوال البشرية منافية لكونه رسولا إليهم مختارا من عند الله فقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، وهم لا يحاجون بذلك عن اعتقاد بصحة رسالة موسى - عليه السلام - ولكنهم يجعلونه وسيلة لإبطال رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلما دمغتهم حجج القرآن العديدة الناطقة بأن محمدا ما هو بدع من الرسل وأنه جاء بمثل ما جاءت به الرسل فحاجهم بقوله قل فأتوا بكتاب من [ ص: 202 ] عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين الآية . فلما لم يجدوا سبيلا للمكابرة في مساواة حاله بحالة الرسل الأولين وأووا إلى مأوى الشرك الصريح فلجأوا إلى إنكار رسالة الرسل كلهم حتى لا تنهض عليهم الحجة بمساواة أحوال الرسول وأحوال الرسل الأقدمين ، فكان من مستقر أمرهم أن قالوا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه .

وقد كان القرآن حاجهم بأنهم كفروا بما أوتي موسى من قبل كما في سورة القصص ، أي كفر أمثالهم من عبدة الأصنام وهم قبط مصر بما أوتي موسى وهو من الاستدلال بقياس المساواة والتمثيل .

فهذا وجه قولهم ولا بالذي بين يديه لأنهم لم يكونوا مدعوين لا يؤمنون بكتاب آخر غير القرآن ولكن جرى ذلك في مجاري الجدال والمناظرة ، فعدم إيمانهم بالقرآن مشهور معلوم وإنما أرادوا قطع وسائل الإلزام الجدلي .

وهذه الآية انتقال إلى ذكر طعن المشركين في القرآن وهي معطوفة على جملة ويقولون متى هذا الوعد .

والاقتصار على حكاية مقالتهم دون تعقيب بما يبطلها إيماء إلى أن بطلانها باد لكل من يسمعها حيث جمعت التكذيب بجميع الكتب والشرائع وهذا بهتان واضح .

وحكاية مقالتهم هذه بصيغة الماضي تؤذن بأنهم أقلعوا عنها .

وجيء بحرف " لن " لتأكيد نفي إيمانهم بالكتب المنزلة على التأبيد تأييسا للنبي والمسلمين من الطمع في إيمانهم به .

واسم الإشارة مشار به إلى حاضر في الأذهان لأن الخوض في القرآن شائع بين الناس من مؤيد ومنكر فكأنه مشاهد . وليس في اسم الإشارة معنى التحقير لأنهم ما كانوا ينبزون القرآن بالنقصان ، ألا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة : إن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وقول عبد الله بن أبي بعد ذلك : لا أحسن مما تقول أيها المرء ، وأن عتبة بن ربيعة لما قرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن وقال له : هل ترى بما أقول بأسا ؟ فقال : لا والدماء . وكيف وقد تحداهم بالإتيان [ ص: 203 ] بسورة مثله فلم يفعلوا ، ولو كانوا ينبزونه بنقص أو سخف لقالوا : نحن نترفع عن معالجة الإتيان بمثله .

ومعنى بين يديه القريب منه ، سواء كان سابقا كقوله تعالى إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد وقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - بعثت بين يدي الساعة أم كان جائيا بعده كما حكى الله عن عيسى - عليه السلام - ومصدقا لما بين يديه من التوراة في سورة ( آل عمران ) . وليس مرادا هنا لأنه غير مفروض ولا مدعى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث