الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب السادس في الغنة وأحكامها وأقوال العلماء في ذلك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 175 ] الباب السادس

في الغنة وأحكامها وأقوال العلماء في ذلك

محتويات الباب

1 – تعريف الغنة.

2 – محلها.

3 – مخرجها.

4 – مراتبها.

5 – مقدارها.

6 – كيفية أدائها.

7 – القول في تثبيت حروف الغنة في مخرجها أو نقلها إلى مخرج غيرها.

8 – الخاتمة في ملخص الباب.

[ ص: 176 ] [ ص: 177 ] ينحصر الكلام في الغنة في سبع مسائل وخاتمة، وإليك بيانها:

المسألة الأولى: تعريف الغنة.

اختلف العلماء - رضوان الله عليهم - في تعريف الغنة في اللغة والاصطلاح على أقوال عدة، ذكرنا جانبا منها في باب الصفات، ونذكر جانبا آخر هنا فنقول:

الغنة في اللغة: صوت يخرج من الخيشوم لا عمل للسان فيه.

وفي الاصطلاح: صوت أغن مركب في جسم النون - ولو تنوينا - والميم مطلقا، أي: إن صوت الغنة صفة لازمة للنون والميم، سواء كانتا متحركتين أو ساكنتين مظهرتين أو مدغمتين أو مخفاتين، على ما سيأتي بيانه:

المسألة الثانية: في محل الغنة:

أما محلها ففي النون والميم لا في غيرهما من الحروف، والنون أغن من الميم، ويلحق بالنون التنوين.

المسألة الثالثة: في مخرج الغنة

أما مخرجها فمن الخيشوم كما تقدم في المخارج، وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم، وقيل: هو أقصى الأنف، أي: إن صوت الغنة بجميع أحواله يخرج من الخيشوم، ودليل ذلك أنه لو أمسك الأنف لانحبس خروجه مطلقا حتى في حال ضعفه عند تحريك النون والميم مخففتين أو سكونهما مظهرتين، كما يشهد بذلك النطق.

المسألة الرابعة: في مراتب الغنة وأقوال العلماء فيها اتفاقا واختلافا

أما مراتبها: ففيها خلاف بين العلماء، فقال فريق منهم: إنها ثلاث مراتب:

أولها: المشدد، فالمدغم بالغنة الناقص، فالمخفي، ولم ينظر هذا الفريق إلى الغنة التي في الساكن المظهر ولا في المتحرك المخفف، وهذا هو ظاهر كلام الإمام الشاطبي - رضي الله عنه - في الشاطبية.

وقال جمهور العلماء: إنها خمس مراتب: الثلاثة المتقدمة، ورابعها: الساكن المظهر، وخامسها المتحرك المخفف، وهذا هو المعول عليه، والخلاف بين الفريقين لفظي، فمن قال بسقوط الغنة في المرتبتين الأخيرتين أي في الساكن [ ص: 178 ] المظهر والمتحرك المخفف فقد أراد سقوط كمالها، وهذا لا ينافي أن أصلها موجود عنده، ومن قال ببقائها فيهما فقد أراد بقاء أصلها فقط لا بقاء كمالها، ونظر إلى كون الغنة صفة لازمة للنون - ولو تنوينا - والميم مطلقا، كما مر توضيحه.

وإليك توضيح المراتب الخمس، وتحديد أماكن كل مرتبة:

المرتبة الأولى: المشدد، ويشمل ما كان في كلمة، وما كان في كلمتين، فالذي في كلمة هو النون والميم المشددتان مطلقا نحو: إن المسلمين [الأحزاب: 35] إني تبت إليك [الأحقاف: 15] يمنون عليك [الحجرات: 17] همت به [يوسف: 24] من اليم [طه: 78] وعنده أم الكتاب [الرعد: 39].

والذي في كلمتين يشمل أربعة أنواع، وكلها في الإدغام التام:

الأول: الإدغام التام المصحوب بالغنة، وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم نحو: إن نشأ [الشعراء: 4] من مال الله [النور: 33].

الثاني: إدغام الميم الساكنة في مثلها نحو: كم من فئة [البقرة: 249].

الثالث: إدغام المتجانسين الصغير المصحوب بالغنة، وهو إدغام الباء الساكنة في الميم في قوله تعالى: يا بني اركب معنا [هود: 42] عند من أدغم، ومنهم حفص عاصم من الشاطبية اتفاقا، ونحو: " يعذب من يشاء " [آل عمران ، الآية 129] عند من أدغم.

الرابع: إدغام اللام الشمسية في النون اتفاقا نحو [ ص: 179 ] إلى النور [البقرة: 257] عن النعيم [التكاثر: 8] ويسمى كل من النون والميم فيما ذكر حرف غنة مشددا.

ويجب إظهار غنته كما يجب الاحتراز من المد عند الإتيان بالغنة في مثل إنا أعطيناك الكوثر [الكوثر: 1] فإما تثقفنهم [الأنفال: 57] وكثيرا ما يتساهل في ذلك من يبالغ في إظهار الغنة، فيتولد منها ياء، فيصير اللفظ (إينا - فإيما) وهو من الخطأ القبيح والتحريف الصريح، وقد أشار صاحب التحفة إلى هذه المرتبة وحكمها بقوله فيها:


وغن ميما ثم نونا شددا وسم كلا حرف غنة بدا



كما أشار إليها الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:


وأظهر الغنة من نون ومن     ميم إذا ما شددا ...



المرتبة الثانية: المدغم، والمراد به هنا الإدغام بالغنة الناقص، وهو إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء، وقد تقدم.

المرتبة الثالثة: المخفى، ويشمل أنواعا ثلاثة:

الأول: إخفاء النون الساكنة والتنوين عند حروف الإخفاء الخمسة عشر عند الجمهور، وقد تقدم ذلك.

الثاني: إخفاء الميم قبل الباء نحو: فاحكم بينهم [المائدة: 48].

[ ص: 180 ] الثالث: إخفاء الميم المقلوبة من النون الساكنة والتنوين عند ملاقاتهما بالباء، مثل: ينبت [النحل: 11] عليم بذات [هود: 5] لأن بعد القلب إخفاء للميم المقلوبة، ولهذا شمل المخفي القلب.

المرتبة الرابعة: الساكن المظهر، ويشمل إظهار النون الساكنة والتنوين عند حروف الحلق، وكذلك الميم الساكنة حال إظهارها إذا لم يأت بعدها باء أو ميم، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.

المرتبة الخامسة: المتحرك المخفف، ويشمل النون والميم الخفيفتين المتحركتين بأي حركة كانت، وكذلك التنوين المتحركة نحو: ينادون [غافر: 10] و نودي [القصص: 30] من السماء ماء فأخرج [البقرة: 22] يومئذ يموج [الكهف: 99] محظورا انظر [الإسراء: 20 - 21] منيب ادخلوها [ق: 33 - 34] وما إلى ذلك.

المسألة الخامسة: في مقدار الغنة.

أما مقدارها فهو حركتان كالمد الطبيعي، أي غنة كاملة من غير تفاوت [ ص: 181 ] في المراتب الثلاث، الأولى التي هي المشدد، والمدغم بالغنة الناقص، والمخفى، أما مقدارها في المرتبتين الأخيرتين اللتين هما الساكن المظهر والمتحرك المخفف فالثابت فيهما من الغنة أصلها فقط، الذي لا بد منه كما مر.

تنبيه: يستثنى من وجود أصل الغنة في الساكن المدغم إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء من غير غنة؛ لأن في هذه الحالة لا يوجد أصل للغنة بسبب تمام الإدغام، إذ أن النون والتنوين يبدلان حينئذ لاما عند اللام وراء عند الراء، وتدغم اللام في اللام والراء في الراء، وبذلك قد انعدم كل من النون والتنوين ذاتا وصفة، بخلاف تمام الإدغام في إدغام النون الساكنة والتنوين في النون والميم، فإن انعدام النون والتنوين ذاتا وصفة حينئذ لا يؤثر في حذف الغنة؛ لأن غنة المدغم فيه - وهو النون والميم - لا تزال باقية كما تقدم من أن الغنة صفة لازمة للنون والميم مطلقا، بخلاف المدغم فيه في النوع الأول، فإنه لام وراء، والغنة ليست من صفاتهما.

المسألة السادسة: في كيفية أداء الغنة وما يراعى في ذلك:

أما كيفية أدائها فإنها تؤدى غنة سلسة في نطقها وإخراجها من غير تمطيط ولا لوك، ومن غير زيادة ولا نقص عن مقدارها المحدد لها، والذي أشرنا إليه آنفا.

ومن تمام كيفية أدائها اتباعها لما بعدها من الحروف تفخيما وترقيقا، على العكس من ألف المد التي تتبع ما قبلها في ذلك كما تقدم.

وبالاستقراء والتتبع وجدنا أن تفخيم الغنة يكون في المرتبة الثالثة، وهي مرتبة المخفى، وفي نوع الإخفاء الحقيقي منه، وعند خمسة أحرف، وهي: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والقاف، عند كل القراء، فالصاد نحو: ولمن صبر [الشورى: 43] ريحا صرصرا [القمر: 19] والضاد نحو: [ ص: 182 ] لمن ضره [الحج: 13] وكلا ضربنا [الفرقان: 39] والطاء نحو: وإن طائفتان [الحجرات: 9] صعيدا طيبا [المائدة: 6] والظاء نحو: إن ظنا [البقرة: 230] ظلا ظليلا [النساء: 57] والقاف نحو: من قبلهم [التوبة: 70] عليم قدير [النحل: 70] ويزاد على هذه الأحرف الخمسة حرفان هما الغين والخاء المعجمتان في قراءة الإمام أبي جعفر المدني في نحو: أو آخران من غيركم [المائدة: 106] اعبدوا الله ما لكم من إله غيره [الأعراف: 65] من خير [البقرة: 105] إن الله عليم خبير [لقمان: 34].

ويلاحظ أن التفخيم في الغنة - كما ذكرنا - خاضع لمراتب التفخيم السابقة بحسب حركة الحرف الواقع بعد الغنة، كما يلاحظ مرتبة الكسر في ذلك، وخاصة حرف الاستعلاء في نحو: وإن قيل [النور: 28] عند الجميع، ونحو: من غل [الأعراف: 43] من قوم خيانة [الأنفال: 58] عند أبي جعفر ، فإن الغنة هنا تفخم تفخيما نسبيا خلافا لصاحب السلسبيل الشافي؛ حيث قال بترقيقها، وقد تقدم أن حرف الاستعلاء المكسور لا يرقق بحال، بل يفخم تفخيما نسبيا، وهو الذي ارتضاه العلامة المتولي وقال به، إلى آخر ما ذكرنا هناك.

[ ص: 183 ] وقد أشار صاحب لآلئ البيان إلى كيفية أداء الغنة مع حكم ألف المد بقوله:


وتتبع ما قبلها الألف     والعكس في الغن ألف



كما أشار صاحب السلسبيل الشافي إلى أداء الغنة بقوله:


وفخم الغنة إن تلاها     حروف الاستعلاء لا سواها



المسألة السابعة: في القول في تثبيت حروف الغنة في مخرجها أو نقلها إلى مخرج غيرها:

سبق أن ذكرنا في آخر مخارج الحروف بعض ما قاله أئمتنا فيما يخرج من الخيشوم، ومما قالوا: يخرج من الخيشوم النون والميم الساكنتان حال الإخفاء أو الإدغام بالغنة، وزاد بعضهم على ذلك النون والميم المشددتين.

وقالوا: إن مخرج كل من النون والميم في هذه الأحوال يتحول من مخرجه الأصلي - الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون وبين الشفتين بالنسبة للميم - إلى الخيشوم على الصحيح، وخص بعضهم النون المخفاة بالتحول من طرف اللسان إلى الخيشوم دون الميم. وأما خروج النون من طرف اللسان والميم من بين الشفتين ففي حالة إسكانهما مع الإظهار أو تحريكهما.

هذا مضمون قولهم في هذا المقام في كثير من المراجع التي بيدي.

ونقول: إن الحق الذي يجب أن يتبع في هذه المسألة ويشهد له النطق الصحيح، هو أن مخرج كل من النون والميم المشددتين، وكذلك النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في النون، وكذلك الميم الساكنة المدغمة في مثلها أو المخفاة لدى الباء، سواء كانت أصلية أو مقلوبة من النون الساكنة والتنوين - لا يتحول إلى الخيشوم، بل يظل ثابتا في مخرجه الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون والتنوين وبين الشفتين بالنسبة للميم، ومن قال بخلاف ذلك فقد نازع في شيء محسوس قد حدده النطق.

وأما النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما بالغنة في حروف (ينمو) غير النون - كما تقدم - فينتقل مخرجهما من طرف [ ص: 184 ] اللسان إلى مخرج المدغم فيه نفسه، وليس إلى الخيشوم، ويؤيد ذلك ما هو مقرر في أن الإدغام في غير المثلين بشرطه يستلزم إبدال المدغم من جنس المدغم فيه، وخروج الأول من مخرج الثاني وتصييره حرفا واحدا مشددا، كما تقدم في تعريف الإدغام.

فإذا أدغمنا النون الساكنة والتنوين في الميم نجد أن مخرجهما قد تحول من طرف اللسان إلى مخرج المدغم فيه وهو الميم، وإذا أدغمناهما في الواو والياء نجد أن مخرجهما قد تحول من طرف اللسان أيضا إلى مخرج المدغم فيه (الواو والياء) وهنا نجد أن النون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في الميم والواو كان مخرجهما من الشفتين، وفي حال إدغامهما في الياء كان مخرجهما من وسط اللسان، وهذا واضح من النطق بأدنى تأمل.

وأما في حالة إخفائهما فلا ينتقلان إلى الخيشوم، ولا يستقران في طرف اللسان الذي هو مخرجهما الأصلي، بل ينطق بهما قريبين من مخرج الحرف الذي يخفيان عنده من غير أن يبدلا من جنسه كما في الإدغام؛ لأن الإبدال حينئذ يأتي بالتشديد، والإخفاء لا تشديد معه، وهذا هو مقتضى عبارة تعريف الإخفاء السابقة التي تقول: الإخفاء هو عبارة عن النطق بحرف ساكن خال من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام، مع بقاء الغنة في الحرف الأول، والمراد به هنا النون الساكنة والتنوين، فوجود الغنة في الحرف الأول مع النطق به ساكنا غير مشدد بين صفتي الإظهار والإدغام يتطلب نقل النون الساكنة والتنوين من طرف اللسان إلى قرب مخرج الحرف الذي يخفيان عنده كما قدمنا، ويشهد بذلك النطق السليم في أداء الإخفاء على ما بيناه آنفا.

فمثلا إذا أخفينا النون الساكنة عند القاف في نحو: ينقذون [يس: 43] نجد أنها لم تستقر في طرف اللسان، ولم تتحول إلى الخيشوم، ولكنها قريبة من مخرج القاف الذي هو من أقصى اللسان، وكذلك إذا أخفيناها عند الشين المعجمة في نحو: منشورا [الإسراء: 13] وعند الفاء في نحو: لا ينفع [الشعراء: 88] وجدناها لم تستقر في مخرجها ولم تتحول إلى الخيشوم، ولكنها قريبة من مخرج [ ص: 185 ] الشين الذي هو من وسط اللسان، وقريبة من مخرج الفاء الذي هو من باطن الشفة السفلى، وكذلك إذا أخفيناها عند الصاد في نحو: ولا هم ينصرون [البقرة: 48] أو عند الذال المعجمة في نحو: من ذكر [آل عمران : 195] أو عند التاء المثناة فوق في نحو: إن تتوبا [التحريم: 4] أو عند الغين المعجمة في نحو: من غل [الحجر: 47] في قراءة الإمام أبي جعفر ، إلى آخر حروف الإخفاء - وجدناها غير مستقرة في طرف اللسان، وغير محولة إلى الخيشوم، ولكنها قريبة من مخرج الحروف المخفاة عندها، وهذا واضح من النطق أيضا، ومثل النون التنوين في كل ما ذكر.

ومن ثم يتضح لنا جليا أنه لا يخرج من الخيشوم إلا صوت الغنة فقط دون حروفها في كل ما تقدم، سواء كانت الغنة للإخفاء أو للإدغام، وهذا هو ظاهر كلام الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية؛ حيث يقول فيهما: "وغنة مخرجها الخيشوم" وممن صرح من المتقدمين زمنا على الحافظ ابن الجزري بخروج صوت الغنة من الخيشوم فقط دون حروفها الإمام أبو الحسن بن بري ؛ حيث يقول في الدرر اللوامع:


والغنة الصوت الذي في الميم     والنون يخرج من الخيشوم

اهـ

ويؤيد ذلك أيضا قولهم في تعريف الغنة السابق: إنها صوت يخرج من الخيشوم لا عمل للسان فيه، ويؤخذ من هذا القول أمران:

الأول: أن الذي يخرج من الخيشوم هو صوت الغنة فقط لا حروفها.

الثاني: أن الغنة ليست حرفا كما في إطلاق بعضهم أو تخصيصه؛ لأن الحروف يعمل فيها اللسان لإخراجها، والغنة ليست كذلك، بل هي صفة تابعة لموصوفها اللساني أو الشفوي، أي النون والميم، الأمر الذي أوجب إلحاقها [ ص: 186 ] بالصفات اللازمة المشهورة التي لا ضد لها كما تقدم، فهي لا تقل أهمية عن القلقلة، وقد عدها من الصفات جمع من العلماء كالإمام ابن بري وغيره، ولا يعكر علينا ذكرها مع المخارج، فلكل وجهة.

فمن ذكرها في المخارج نظر إلى أن لها مخرجا وهو الخيشوم فذكرها معه، وعدها من الحروف تغليبا للحروف عليها، ومن ذكرها في الصفات نظر إلى أنها صفة اختصت بمخرج دون سائر الصفات فعدها منها تبعا لها.

ولأهمية هذا الباب نلخص ما جاء فيه ليكون أقرب للحصر والفهم، فنقول وبالله التوفيق:

[ ص: 187 ] الخاتمة - نسأل الله تعالى حسنها - في ملخص باب الغنة

أولا: لا يخرج من الخيشوم إلا صوت الغنة دون حروفها.

ثانيا: محل هذا الصوت النون - ولو تنوينا - والميم مطلقا.

ثالثا: مراتب الغنة خمس: المشدد، فالمدغم بالغنة الناقص، فالمخفى، فالساكن المظهر، فالمتحرك المخفف، وقيل: إنها ثلاث بحذف الساكن المظهر والمتحرك المخفف، والأول هو الأشهر والمعول عليه، والخلاف بين الفريقين لفظي كما مر.

رابعا: مقدار الغنة حركتان، أي غنة كاملة في المراتب الثلاث الأولى، وأما في المرتبتين الأخيرتين فالثابت فيهما من الغنة أصلها فقط الذي لا بد منه.

خامسا: لا يوجد أصل للغنة في حال إدغام النون الساكنة والتنوين في اللام والراء بغير غنة، وكذلك في الواو والياء في رواية خلف عن حمزة .

سادسا: مخرج كل من النون والميم المشددتين والنون الساكنة والتنوين في حال إدغامهما في النون، وكذلك الميم الساكنة المدغمة في مثلها أو المخفاة لدى الباء حتى في حالة القلب - لا يتحول إلى الخيشوم، بل هو ثابت في مخرجه الأصلي، وهو طرف اللسان بالنسبة للنون والتنوين، وبين الشفتين بالنسبة للميم.

سابعا: في حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في الميم وكذلك في الواو والياء يتحول مخرجهما من طرف اللسان إلى مخرج كل من الميم والواو والياء، وليس إلى الخيشوم.

ثامنا: في حالة إخفاء النون الساكنة والتنوين يتحول مخرجهما من طرف اللسان إلى قرب مخرج الحرف الذي يخفيان عنده، وليس إلى الخيشوم.

تاسعا: الحق أن الغنة صفة تابعة لموصوفها اللساني أو الشفوي، وليست حرفا.

[ ص: 188 ] عاشرا: كيفية أداء الغنة أنها تتبع ما بعدها من الحروف تفخيما وترقيقا، وتخضع في ذلك لمراتب التفخيم الخمس بالتفصيل المتقدم، وتفخم تفخيما نسبيا، فيما إذا كان حرف الاستعلاء بعدها مكسورا على الأصح، بل هو الصواب.

وإلى هنا انتهى كلامنا في توضيح هذا المقام، فاحرص عليه وتأمله جيدا؛ فقد لا تجده مجموعا في غيره، وبالله الهداية والتوفيق إلى أقوم طريق.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث