الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الكناية والتعريض

جزء التالي صفحة
السابق

فصل في الكناية والتعريض والبحث فيهما من وظيفة علماء المعاني والبيان ، لكن لما اختلف في [ ص: 63 ] الكناية ، هل هي حقيقة أو مجاز ؟ . أو منها حقيقة ومنها مجاز : ذكرت ليعرف ذلك ، وذكر معها التعريض استطرادا . ثم ( الكناية حقيقة إن استعمل اللفظ في معناه ) الموضوع له أو لا ( وأريد لازم المعنى ) الموضوع له ، كقولهم " كثير الرماد " يكنون به عن كرمه . فكثرة الرماد مستعمل في معناه الحقيقي ، ولكن أريد به لازمه ، وهو الكرم ، وإن كان بواسطة لازم آخر ، لأن لازم كثرة الرماد كثرة الطبخ ، ولازم كثرة الطبخ كثرة الضيفان ، ولازم كثرة الضيفان الكرم ، وكل ذلك عادة . فالدلالة على المعنى الأصلي بالوضع ، وعلى اللازم بانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم ، ومثله قولهم : " طويل النجاد " كناية عن طول القامة ، لأن نجاد الطويل يكون طويلا بحسب العادة ، وعلى هذا فهو حقيقة ، لأنه استعمل في معناه ، وإن أريد به اللازم فلا تنافي بينهما .

( ومجاز ) يعني وتكون الكناية مجازا ( إن لم يرد المعنى ) الحقيقي وعبر بالملزوم ( عن اللازم ) بأن يطلق المتكلم كثرة الرماد على اللازم ، وهو الكرم وطول النجاد على اللازم ، وهو طول القامة ، من غير ملاحظة الحقيقة أصلا فهذا يكون مجازا ، لأنه استعمل في غير معناه . والعلاقة فيه : إطلاق الملزوم على اللازم ، وما ذكرناه : هو أحد الأقوال في الكناية ، وهو الذي قدمه في التحرير والقول الثاني : أن لفظ الكناية حقيقة مطلقا . قال بعضهم : وهو الأصح .

قال الكوراني : الجمهور أنها من الحقيقة ، وتبعهم ابن عبد السلام في كتاب المجاز . فقال : والظاهر أن الكناية ليست من المجاز ; لأنها وإن استعملت [ اللفظ ] فيما وضع له ، لكن أريد به الدلالة على غيره . كدليل الخطاب في قوله تعالى ( { فلا تقل لهما أف } ) وكذا نهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء والعرجاء .

والقول الثالث : أنه مجاز مطلقا ، نظرا إلى المراد منه ، وهو مقتضى قول صاحب الكشاف عند قوله تعالى ( { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم } ) حيث فسر الكناية بأن يذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له . [ ص: 64 ] والقول الرابع : أنها ليست بحقيقة ولا مجاز . وهو قول السكاكي وتبعه في التخليص ( والتعريض حقيقة ، وهو لفظ مستعمل في معناه مع التلويح بغيره ) أي بغير ذلك المعنى المستعمل فيه ، مأخوذ من العرض - بالضم - وهو الجانب .

فكأن اللفظ واقع في جانب عن المعنى الذي لوح به ، ومن ذلك قول سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى سيدنا محمد ( { بل فعله كبيرهم هذا } ) [ أي ] غضب أن عبدت هذه الأصنام معه فكسرها ، وإنما قصده التلويح أن الله سبحانه وتعالى يغضب أن يعبد غيره ممن ليس بإله من طريق الأولى . وبذلك يعلم أن اللفظ - وإن لم يطابق معناه الحقيقي في الخارج - لا يكون كذبا إذا كان المراد به التوصل إلى غيره بكناية كما سبق ، وتعريض كما هنا ، وإن سمي كذبا فمجاز باعتبار الصورة ، كما جاء [ في الحديث الشريف ] { لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات } المراد : صورة ذلك ، وهو في نفسه حق وصدق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث