الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل فيما يتفاوت أجره بتفاوت تحمل مشقته

إن قيل : ما ضابط الفعل الشاق الذي يؤجر عليه أكثر مما يؤجر على الخفيف ؟ قلت : إذا اتحد الفعلان في الشرف والشرائط والسنن والأركان ، وكان أحدهما شاقا فقد استويا في أجرهما لتساويهما في جميع الوظائف ، وانفرد أحدهما بتحمل المشقة لأجل الله سبحانه وتعالى ، فأثيب على تحمل المشقة لا على عين المشاق ، إذ لا يصح التقرب بالمشاق ، لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى ، وليس عين المشاق تعظيما ولا توقيرا .

ويدل على ذلك أن من تحمل مشقة في خدمة إنسان فإنه يرى ذلك لا لأجل كونه شق عليه وإنما يراه له بسبب تحمل مشقة الخدمة لأجله ، وذلك كالاغتسال في الصيف والربيع بالنسبة إلى الاغتسال في شدة برد الشتاء ; فإن أجرهما سواء لتساويهما في الشرائط والسنن والأركان ، ويزيد أجر الاغتسال في الشتاء لأجل تحمل مشقة البرد ، فليس التفاوت في نفس الغسلين وإنما التفاوت فيما لزم عنهما .

وكذلك مشاق الوسائل في من يقصد المساجد والحج والغزو من مسافة قريبة ، وآخر يقصد هذه العبادات من مسافة بعيدة ، فإن ثوابيهما يتفاوتان بتفاوت الوسيلة ، ويتساويان من جهة القيام بسنن هذه العبادات وشرائطها وأركانها . فإن الشرع يثيب على الوسائل إلى الطاعات كما يثيب على المقاصد ، مع تفاوت أجور الوسائل والمقاصد .

وكذلك جعل لكل خطوة يخطوها [ ص: 37 ] المصلي إلى إقامة الجماعة رفع درجة وحط خطيئة ، وجعل أبعدهم ممشى إلى الصلاة أعظم أجرا من أقربهم ممشى إليها ، وكذلك جعل للمسافرين إلى الجهاد - بما يلقونه من الظمأ والنصب والمخمصة والنفقة الصغيرة والكبيرة وقطع الأودية وبما ينالونه من الأعداء وبالوطء الغائظ للكفار - أجر عمل صالح ، فكذلك تحمل المشاق الناشئة عن العبادة أو عن وسائل العبادة ، ويختلف أجر تحمل المشاق بشدة المشاق وخفتها .

فإن قيل قد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مسندا عن عائشة أنها قالت : { قلت يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد ؟ قال : انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه ثم الحقينا عند كذا وكذا . قال أظنه قال : غدا ولكنها على قدر نصبك أو قال نفقتك } . قلت : هذا مشكوك فيه هل قال قدر نصبك أو قال قدر نفقتك ؟ فإن كان الواقع قوله : على قدر نفقتك فلا شك أن ما ينفق في طاعة الله يفرق بين قليله وكثيره ، وإن كان الواقع قوله : على قدر نصبك فيجب أن يكون التقدير على قدر تحمل نصبك لما ذكرناه ، وقد قيل : إن في بعض كتب الله أنه قال : بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي . وقد علمنا من موارد الشرع ومصادره أن مطلوب الشرع إنما هو مصالح العباد في دينهم ودنياهم ، وليست المشقة مصلحة . بل الأمر بما يستلزم المشقة بمثابة أمر الطبيب المريض باستعمال الدواء المر البشع ، فإنه ليس غرضه إلا الشفاء ، ولو قال قائل كان غرض الطبيب أن يوجده مشقة ألم مرارة الدواء ، لما حسن ذلك فيمن يقصد الإصلاح .

وكذلك الوالد يقطع من ولده اليد المتآكلة حفظا لمهجته ليس غرضه إيجاده ألم القطع ، وإنما غرضه حفظ مهجته مع أنه يفعل ذلك متوجعا متألما لقطع يده .

وقد قال عليه السلام فيما حكاه { عن ربه عز وجل أنه قال : وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له [ ص: 38 ] منه } ولا شك أن المشاق من حيث إنها مشاق تسوء المؤمن وغيره ، وإنما يهون أمرها لما يبتنى على تحملها من الأجر والثواب ، ويكون قليل العمل البدني أفضل من كثيره ، وخفيفه أفضل من ثقيله ، كتفضيل القصر على الإتمام ، وكتفضيل صلاة الصبح مع نقص ركعاتها على سائر الصلوات عند من رآها الصلاة الوسطى ، مع أنها أقصر من صلاة العصر على ما جاءت به السنة ، والله تعالى يؤتي فضله من يشاء ، ولو كان الثواب على قدر النصب مطلقا ، لما كان الأمر كذلك ، ولما فضلت ركعة الوتر على ركعتي الفجر ، ولما فضلت ركعتا الفجر على مثلها من الرواتب .

وأما الإبراد بالظهر مع ما فيه من تفويت المبادرة إلى الصلاة فإنه من باب تقديم مصلحة راجحة على مصلحة مرجوحة ، فإن المشي إلى الجماعات في شدة الحر يشوش الخشوع الذي هو أفضل أوصاف الصلاة ، فقدم الخشوع الذي هو من أفضل أوصاف الصلاة على المبادرة التي لا تدانيه في الرتبة ، ولهذا المعنى أمر بالمشي إلى الجماعة بالسكينة والوقار مع ما فيه من تفويت النداء وتكميل الاقتداء بالإمام ، لأنه لو أسرع لانزعج وذهب خشوعه ; فقدم الشرع رعاية الخشوع على المبادرة وعلى الاقتداء في جميع الصلوات ، وكذلك تؤخر الصلاة بكل ما يشوش الخشوع كإفراط الظمأ والجوع ، وكذلك يؤخرها الحاقن والحاقب ، وينبغي أن يؤخر بكل مشوش يؤخر الحاكم الحكم بمثله .

وكذلك تؤخر الصلاة إلى آخر الأوقات في حق من يتيقن وجود الماء في أواخر الأوقات ; لأن فضيلة الصلاة بطهارة الماء أفضل من المبادرة إلى الجماعات ، وإنما فضلت لأن اهتمام الشرع بشرائط العبادات أعظم من اهتمامه بالسنن المكملات ، ويدل على ذلك أن القادر على الماء لا يتخير بينه وبين التيمم ، والقادر على المبادرة إلى الجماعات مخير بين المبادرة والجماعة وبين التأخير والانفراد ، ولو كانت مصلحة المبادرة كمصلحة استعمال الماء لتعينت عند القدرة عليها كما يتعين استعمال الماء ، وإنما تحمل الصائم [ ص: 39 ] مشقة رائحة الخلوف ، فقد فضله الشافعي على إزالة الخلوف بالسواك ، مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك ، ولم يوافق الشافعي على ذلك إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره ، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية ، ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر ، مع قوله عليه السلام : { ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها } وكم من عبادة قد أثنى الشرع عليها وذكر فضيلتها مع أن غيرها أفضل منها ، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما ; فإن السواك نوع من التطهر المشروع لإجلال الرب سبحانه وتعالى ، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا شك فيه ، ولأجله شرع السواك وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال ، فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطييب الأفواه ؟ ، ويدل أن مصلحة السواك أعظم من مصلحة تحمل مشقة الخلوف قوله صلى الله عليه وسلم : { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } ، ولولا أن مصلحته أتم من مصلحة تحمل مشقة الخلوف لما أسقط إيجابه لمشقته ، وهذا يدل على أن مصلحته انتهت إلى رتب الإيجاب .

وقد نص على اعتباره بقوله : { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة } ، والذي ذكره الشافعي رحمه الله تخصيص للعام لمجرد الاستدلال المذكور المعارض لما ذكرناه ، ولا يصح قياسه على دم الشهيد ; لأن المستاك مناج لربه ، فشرع له تطهير فمه بالسواك ، وجسد الميت قد صار جيفة غير مناجية ، فلا يصح - مع ذلك - الإلحاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث