الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب أسآر البهائم حديث ابن عمر في القلتين يدل على نجاستها وإلا يكون التحديد بالقلتين في جواب السؤال عن ورودها على الماء عبثا .

16 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم [ ص: 51 ] فليرقه ثم ليغسله سبع مرات } . رواه مسلم والنسائي ) .

التالي السابق


الحديث له ألفاظ هذا أحدها . وفي الباب أحاديث منها عن عبد الله بن مغفل ، وسيأتي في باب اعتبار العدد في الولوغ . وحديث ابن عمر الذي أشار إليه المصنف في القلتين تقدم . وقد استدل به على نجاسة أسآر البهائم لما ذكره . قوله : ( إذا ولغ ) قال في الفتح : يقال : ولغ يلغ بالفتح فيهما ، إذا شرب بطرف لسانه فيه فحركه ، قال ثعلب : هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه ، زاد ابن درستويه : شرب ، أو لم يشرب قال مكي فإن كان غير مائع يقال : لعقه .

قوله : ( في إناء أحدكم ) ظاهره العموم في الآنية وهو يخرج ما كان من المياه في غير الآنية ، وقيل : أصل الغسل معقول المعنى وهو النجاسة فلا فرق بين الإناء وغيره . وقال العراقي : ذكر الإناء خرج مخرج الأغلب لا للتقييد . قوله : ( فليرقه ) قال النسائي : لم يذكر فليرقه غير علي بن مسهر . وقال ابن منده : تفرد بذكر الإراقة فيه علي بن مسهر ولا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه . قال الحافظ : ورد الأمر بالإراقة عند مسلم من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة ، وقد حسن الدارقطني حديث الإراقة ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، ورواه مسلم بزيادة : { أولاهن بالتراب } كما سيأتي .

والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب ، وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود وذهبت العترة والحنفية إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من النجاسات ، وحملوا حديث السبع على الندب ، واحتجوا بما رواه الطحاوي والدارقطني موقوفا على أبي هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات ، وهو الراوي للغسل سبعا ، فثبت بذلك نسخ السبع وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه ، وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم العمل به .

ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها أو أنه نسي ما رواه . وأيضا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعا ، ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر ، أما من حيث الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه ، وهذا من أصح الأسانيد ، والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه ، وهو دون الأول في القوة بكثير ، قاله الحافظ في الفتح .

وأما من حيث النظر فظاهر . وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره ، وعلى كل حال فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث [ ص: 52 ] أن العذرة أشد نجاسة من سؤر الكلب ، ولم تقيد بالسبع ، فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى ، ورد بأنه لا يلزم من كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في تغليظ الحكم ، وبأنه قياس في مقابلة النص الصريح وهو فاسد الاعتبار .

ومنها أيضا أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل ، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة والأمر بالغسل متأخر جدا لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل ، وكان إسلامهما - سنة سبع ، وسياق حديث ابن مغفل الآتي ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب ، وقد اختلف أيضا في وجوب التتريب للإناء الذي ولغ فيه الكلب ، وسيأتي بيان ذلك في باب اعتبار العدد . واستدل بهذا الحديث أيضا على نجاسة الكلب لأنه إذا كان لعابه نجسا وهو عرق فمه ، ففمه نجس ، ويستلزم نجاسة سائر بدنه ، وذلك لأن لعابه جزء من فمه ، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولى ، وقد ذهب إلى هذا الجمهور .

وقال عكرمة ومالك في رواية عنه : أنه طاهر . ودليلهم قول الله تعالى : { فكلوا مما أمسكن عليكم } ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلاب ، ولم نؤمر بالغسل . وأجيب عن ذلك بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد ، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من العموم ، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه . واستدلوا أيضا بما ثبت عند أبي داود من حديث ابن عمر بلفظ : { كانت الكلاب تقبل وتدبر زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك } وهو في البخاري . وأخرجه الترمذي بزيادة " وتبول " ورد بأن البول مجمع على نجاسته ، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد حجة يعارض بها الإجماع .

وأما مجرد الإقبال والإدبار فلا يدلان على الطهارة ، وأيضا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع النجاسة أو لطهارة الأرض بالجفاف . قال المنذري : إنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها ثم تقبل وتدبر في المسجد .

قال الحافظ : والأقرب أن يقال : إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة ، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها . واستدلوا على الطهارة أيضا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد والماشية والزرع . وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم بالنجاسة ، غاية الأمر أنه تكليف شاق وهو لا ينافي التعبد به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث