الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1650 حديث ثان لإسماعيل بن أبي حكيم مرسل

مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : كان من آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب .

التالي السابق


هكذا جاء هذا الحديث عن مالك في الموطآت كلها مقطوعا ، وهو يتصل من وجوه حسان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي [ ص: 166 ] هريرة ، وعائشة ، ومن حديث علي بن أبي طالب ، وأسامة ، وأما عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، فأشهر وأجل من أن يحتاج إلى ذكره ، حدثنا محمد بن عبد الله ، قال : حدثنا معاوية ، قال : حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي ، قال : حدثنا هشام بن عمار ، قال : حدثنا عبد الحميد بن حبيب ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : أخبرني ابن شهاب ، عن ابن المسيب سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ورواه مالك ، عن الزهري بهذا الإسناد مثله .

حدثناه أحمد بن عبد الله بن محمد الباجي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن قاسم ، قال : حدثنا مالك بن عيسى ، قال : حدثنا أبو داود سليمان بن سيف الحراني ، قال : حدثنا عثمان بن عمر ، قال : أخبرنا مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وقد روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة ، ذكره البزار قال : حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا خالد بن الحارث ، قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة ، وقول ابن شهاب فيه ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أولى بالصواب في [ ص: 167 ] الإسناد إن شاء الله .

وهو محفوظ من حديث عروة ، عن عائشة ، أخبرنا عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن مسرور ، قال : أخبرنا عيسى بن مسكين ، قال : أخبرنا محمد بن سنجر ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : حدثنا شيبان ، عن هلال بن حميد ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت : ولولا ذلك أبرز قبره ، غير أنه خشي عليه أن يتخذ مسجدا .

قال أبو عمر : لهذا الحديث والله أعلم ، ورواية عمر بن عبد العزيز له ، أمر في خلافته أن يجعل بنيان قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محددا بركن واحد لئلا يستقبل القبر فيصلى إليه ، وأخبرنا عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله ، قال : حدثني عيسى ، قال : حدثنا ابن سنجر ، قال : حدثنا ابن نمير ، قال : حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن نساء النبي عليه السلام تذاكرن في مرضه كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، وذكرن من حسنها وتصاويرها ، وكانت أم سلمة ، وأم [ ص: 168 ] حبيبة قد أتتا أرض الحبشة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أولئك قوم إذا مات الرجل الصالح عندهم بنوا على قبره مسجدا ، ثم صوروا فيه تلك الصور ، فأولئك شرار الخلق عند الله .

قال أبو عمر : هذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء والصالحين مساجد ، وقد احتج من لم ير الصلاة في المقبرة ولم يجزها بهذا الحديث ، وبقوله : " إن شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد " وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا وهذه الآثار قد عارضها قوله - صلى الله عليه وسلم - : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وتلك فضيلة خص بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يجوز على فضائله النسخ ، ولا الخصوص ، ولا الاستثناء ، وذلك جائز في غير فضائله إذا كانت أمرا أو نهيا أو في معنى الأمر والنهي ، وبهذا يستبين عند تعارض الآثار في ذلك أن الناسخ منها قوله - صلى الله عليه وسلم - جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وقوله لأبي ذر حيثما أدركتك الصلاة فصل ، فقد جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبان ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لعن الله أقواما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وسيأتي من هذا ذكر في باب مرسل زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار إن شاء الله .

[ ص: 169 ] وأما قوله في حديث مالك " لا يبقين دينان بأرض العرب " فأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن يحيى بن عمر بن علي ، قال : حدثنا علي بن حرب ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، عن ابن أبي نجيح ، عن سعيد بن جبير ، قال : سمعت ابن عباس يقول : يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثم بكى حتى بل دمعه الحصى ، قلت : يا أبا عباس ، وما يوم الخميس ؟ قال : اشتد برسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوجع ، فقال : ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فتنازعوا عنده ، فقال : لا ينبغي عندي التنازع ذروني ، وأمرهم بثلاث فقال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجزيهم ، والثالثة إما سكت عنها ، يعني ابن عباس ، وإما قالها فنسيتها ، يقوله سعيد بن جبير .

وذكر الحميدي وعبد الرزاق ، عن سفيان بن عيينة بإسناد مثله ، أخبرنا عبيد بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن مسرور ، قال : حدثنا عيسى بن مسكين ، قال : حدثنا ابن سنجر ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : إنه سمع عمر بن الخطاب يقول : إنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لأخرجن [ ص: 170 ] اليهود من جزيرة العرب وذكره عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع بها إلا مسلما قال عبد الرزاق وأخبرنا معمر ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجتمع بأرض العرب أو قال بأرض الحجاز دينان قال : ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب حتى وجد عليه الثبت ، قال الزهري : فلذلك أجلاهم عمر ، قال : وأخبرني ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر بمعنى حديث ابن المسيب ، وحديث موسى بن عقبة أكمل ، وفيه حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء .

أخبرنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع بن الجراح ، عن إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة ، عن إسحاق بن سمرة ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة بن الجراح قال : آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب هكذا قال وكيع فيما صح عندنا من مسند ابن أبي شيبة ، وخالفه سفيان بن عيينة ، ويحيى القطان ، وإسماعيل بن زكرياء ، وأبو أحمد الزبيري كلهم قال مكان إسحاق بن سمرة : سعد بن سمرة ، قرأت على سعيد بن نصر أن قاسما حدثهم قال : [ ص: 171 ] حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : أخبرني إبراهيم بن ميمون مولى آل سمرة ، عن سعد بن سمرة ، عن أبيه سمرة ، عن أبي عبيدة بن الجراح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : أخرجوا يهود الحجاز .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد ، حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد - يعني القطان - ، عن إبراهيم بن ميمون ، قال : حدثني سعد بن سمرة بن جندب ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة ، قال : إن من آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار عباد الله الذين اتخذوا قبورهم مساجد أخبرنا قاسم بن محمد ، قال : أخبرنا خالد بن سعد ، قال : أخبرنا أحمد بن عمرو بن منصور أخبرنا محمد بن سنجر ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، عن إبراهيم بن ميمون ، عن سعد بن سمرة بن جندب ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة بن الجراح ، قال : آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ، وإن شرار الناس يتخذون القبور مساجد وذكره أحمد بن إبراهيم الدروقي ، عن أبي أحمد الزبيري بإسناده مثله سواء .

[ ص: 172 ] قال أبو عمر : قول من قال : قبور أنبيائهم ، يقضي على قول من قال " القبور " في هذا الحديث لأنه بيان مبهم ، وتفسير مجمل ، وأما قوله أرض العرب وجزيرة العرب في هذا الحديث فذكر ابن وهب عن مالك قال : أرض العرب مكة والمدينة واليمن ، وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام ، عن الأصمعي ، قال : جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من سائر البحر إلى أطرار الشام ، قال أبو عبيد وقال أبو عبيدة : جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول ، وأما في العرض فمن بئر يبرين إلى منقطع السماوة .

قال أبو عمر : أخبرنا بذلك كله أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان وأبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد ، قالا : حدثنا محمد بن عيسى ، وأخبرنا أبو القاسم بن عمر بن عبد الله ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قالا جميعا : حدثنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه في شرح غريب الحديث وبجميع الشرح المذكور ، وقال يعقوب بن شيبة : حفر أبي موسى على منازل من البصرة ، في طريق مكة خمسة منازل أو ستة ، وقال أحمد بن المعذل : حدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ، قال : قال مالك بن أنس : جزيرة العرب المدينة ومكة واليمامة واليمن ، قال : وقال المغيرة بن عبد الرحمن : جزيرة العرب المدينة ومكة واليمن ، وقرياتها ، وذكر الواقدي عن معاذ بن محمد الأنصاري أنه حدثه ، عن أبي وجزة يزيد بن [ ص: 173 ] عبيد السعدي أنه سمعه يقول : القرى العربية : الفرع ، وينبع ، والمروة ، ووادي القرى ، والجار ، وخيبر ، قال الواقدي : وكان أبو وجزة السعدي عالما بذلك ، قال أبو وجزة : وإنما سميت قرى عربية لأنها من بلاد العرب ، وقال أحمد بن المعذل : حدثني بشر بن عمر ، قال : قلت إننا لنرجو أن تكون من جزيرة العرب يريد البصرة ; لأنه لا يحول بيننا وبينكم نهر ، فقال : ذلك أن كان قومك تبوءوا الدار والإيمان .

قال أبو عمر - رضي الله عنه - : قال بعض أهل العلم : إنما سمي الحجاز حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد ، وإنما قيل لبلاد العرب جزيرة لإحاطة البحر والأنهار بها من أقطارها وأطرارها ، فصاروا فيها في مثل جزيرة من جزائر البحر .




الخدمات العلمية