الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المساقاة باب ما جاء في المساقاة

حدثنا يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر يوم افتتح خيبر أقركم فيها ما أقركم الله عز وجل على أن الثمر بيننا وبينكم قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم ثم يقول إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه [ ص: 539 ]

التالي السابق


[ ص: 539 ] بسم الله الرحمن الرحيم

33 - كتاب المساقاة

1 - باب ما جاء في المساقاة

مفاعلة من السقي لأنه معظم عملها وأصل منفعتها وأكثرها مؤنة ، والبعل يجوز مساقاته ، ولا سقي فيه ؛ لأن ما فيه من المؤن يقوم مقام السقي ، والمفاعلة إما للواحد نحو : عافاك الله ، أو لوحظ العقد وهو منهما فيكون من التعبير بالمتعلق عن المتعلق وهي مستثناة من المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها ، ومن بيع الثمرة والإجارة بها قبل طيبها وقبل وجودها ، ومن الإجارة المجهولة ومن بيع الغرر إلى غير ذلك قاله عياض .

وبحث في الأول بأن الأرض غير مكتراة في المساقاة ، إنما المكتري العامل ، ولذا قالوا في حدها إنها إجارة على العمل في حائط وشبهه بجزء من ربحه ، وأجيب بأن البياض الذي يدخل في المساقاة فيه كراء الأرض بما يخرج منها وذلك كاف في الاستثناء .

1412 1380 - ( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ) قال ابن عبد البر : أرسله جميع رواة الموطأ وأكثر أصحاب ابن شهاب ، ووصله منهم طائفة ، منهم صالح بن أبي الأخضر أي وهو ضعيف فزاد أبو هريرة ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليهود خيبر ) بوزن جعفر ، مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام ( يوم افتتح خيبر ) في صفر سنة سبع عند الجمهور بعدما حاصرها بضع عشرة ليلة ، ومن قال سنة ست بناه على أن ابتداء التاريخ من شهر الهجرة الحقيقي وهو ربيع الأول .

وفي الصحيحين عن ابن عمر كان - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها فينبغي أن يقرهم بها على أن [ ص: 540 ] يكفوه العمل ولهم نصف الثمر ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أقركم فيها ما أقركم الله ) عز وجل لا دلالة فيه لمن قال بجواز المساقاة مدة مجهولة ، لأنه محمول على مدة العهد ؛ لأنه كان عازما على إخراج الكفار من جزيرة العرب كمحبته استقبال الكعبة ، فإنه كان لا يتقدم في شيء إلا بوحي ، فذكر ذلك لليهود منتظرا للقضاء فيهم إلى أن حضرته الوفاة فأتاه الوحي فقال : لا يبقين دينان بأرض العرب ، فلما بلغ عمر ذلك فحص عنه حتى أتاه الثبت فأجلاهم ، أو لأن ذلك كان خاصا به - صلى الله عليه وسلم - ينتظر قضاء الله ، وقيل لأنهم كانوا عبيدا له كما قال ابن شهاب ، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجنبيين ؛ إذ للسيد أخذ ما بيده عند الجميع ، قاله ابن عبد البر .

وقال الباجي : لعله بين لهم ولم يبينه الراوي ؛ لأن ظاهره المساقاة ، أو لعله كان بعد وصف العمل والاتفاق منه على معلوم بعادة أو غيرها .

قال عياض : وقيل : ليس القصد بهذا الكلام عقد المساقاة وإنما المقصود به أنها ليست مؤبدة ، وأن لنا إخراجكم .

قال القرطبي : ويحتمل أنه حد الأجل فلم يسمعه الراوي فلم ينقله اهـ .

وفيه بعد مع الاستغناء عنه بغيره .

( على أن الثمر ) بمثلثة ( بيننا وبينكم ) نصفين كما في الصحيحين عن ابن عمر : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع " قال عياض : وهو مفسر للإبهام في حديث الموطأ ، فإن المساقاة لا تجوز مبهمة ، والجزء فيها ما يتفقان عليه قل أو كثر .

( قال : فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث عبد الله بن رواحة ) بفتح الراء بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي الشاعر أحد السابقين ، شهد بدرا واستشهد بمؤتة ، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان ، وفيه أن كان لا تقتضي التكرار ؛ لأنه إنما بعثه عاما واحدا وقتل بعده بأشهر كما رأيت .

( فيخرص بينه وبينهم ثم يقول إن شئتم فلكم ) وتضمنون نصيب المسلمين ( وإن شئتم فلي ) وأضمن نصيبكم ( فكانوا يأخذونه ) وعن جابر : خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق ، ولما خيرهم أخذوا الثمرة وأدوا عشرين ألف وسق .

قال ابن مزين : سألت عيسى عن فعل ابن رواحة أيجوز للمتساقيين أو الشريكين ؟ فقال : لا ، ولا يصلح قسمه إلا كيلا ؛ إلا أن تختلف حاجتهما إليه فيقتسمانه بالخرص ، فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة .

وقال الباجي : يحتمل أنه خرصها بتمييز حق الزكاة ؛ لأن مصرفها غير مصرف أرض العنوة ؛ لأنه يعطيها الإمام للمستحق من غني وفقير ، فيسلم مما خافه عيسى وأنكره .

وقوله : إن شئتم . . . . . إلخ ، حمله عيسى على أنه أسلم إليهم جميع الثمرة بعد الخرص ليضمنوا حصة المسلمين ، ولو كان هذا معناه لم يجز ؛ لأنه بيع الثمر بالثمر بالخرص في غير العرية ، وإنما معناه خرص الزكاة فكأنه قال : إن شئتم أن [ ص: 541 ] تأخذوا الثمرة على أن تؤدوا زكاتها على ما خرصته ، وإلا فأنا أشتريها من الفيء بما يشترى به فيخرج بهذا الخرص ، وذلك معروف لمعرفتهم بسعر الثمر إن حمل على خرص القسمة لاختلاف الحاجة ، فمعناه إن شئتم هذا النصيب فلكم ، وإن شئتم فلي ، يبين ذلك أن الثمرة ما دامت في رءوس النخل ليس بوقت قسمة ثمر المساقاة ؛ لأن على العامل جذها والقيام عليها حتى يجري فيها الكيل أو الوزن ، فثبت بهذا أن الخرص قبل ذلك لم يكن للقسمة إلا بمعنى اختلاف الأغراض .

وقال ابن عبد البر : الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء ؛ لأن المساقيين شريكان لا يقتسمان إلا بما يجوز به بيع الثمار بعضها ببعض ، وإلا دخلته المزابنة ، قالوا : وإنما بعث - صلى الله عليه وسلم - من يخرص على اليهود لإحصاء الزكاة ؛ لأن المساكين ليسوا شركاء معينين ، فلو ترك اليهود وأكلها رطبا وتصرف فيها أضر ذلك سهم المسلمين ، قالت عائشة : إنما أمر - صلى الله عليه وسلم - بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق ، وفيه جواز المساقاة ، وبه قال الجمهور والأئمة الثلاثة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ، ومنعها أبو حنيفة مستدلا بوجوه : أولها نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة ، وهي مشتقة من خيبر ، أي نهى عن الفعل الذي وقع في خيبر من المساقاة ، فحديث الجواز منسوخ ، وتعقب بأن العرب كانت تعرف المخابرة قبل الإسلام وهي عندهم كراء الأرض بما يخرج منها ، مأخوذة من الخبرة التي هي العلم بالخفيات ، وقيل : الخبر الحرث ، والمخابرة مشتقة منه ، ومنه سمي الزارع خيبرا ، وبأن في الصحيحين عن ابن عمر : " عامل - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، ثم أجلاهم عمر إلى تيما وأريحا ، وكذا عمل بها عثمان والخلفاء بعدهم .

أفتراهم كانوا يجهلون حديث النهي عن المخابرة ، أو يدعى نسخ الحديث وقد عمل به الصحابة والعمل بالمنسوخ حرام إجماعا ؟ .

ثانيها : أن يهود خيبر كانوا عبيدا للمسلمين ، ويجوز مع العبد ما يمتنع مع الأجنبي ، والذي قدره لهم - صلى الله عليه وسلم - من شطر الثمر والزرع هو قوت لهم ؛ لأن نفقة العبد على المالك ، وتعقب بأنهم لو كانوا عبيدا امتنع ضرب الجزية عليهم وإخراجهم إلى الشام ونفيهم في أقطار الأرض ؛ لأنه إضاعة لمال المسلمين ، وبأن ابن رواحة قال لهم : إن شئتم فلكم وتضمنون نصيب المسلمين ، وإن شئتم فلي وأضمن نصيبكم ، والسيد على قوله لا يصح ضمانه عن عبده ؛ لأنه لا يملك عندهم ، إذ ماله للسيد ، فهذا يدل على أنهم كانوا مالكين .

ثالثها : نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر ، والأجرة هنا فيها غرر إذ لا يدرى هل تسلم الثمرة أم لا ؟ وعلى سلامتها لا يدرى كيف تكون وما مقدارها ، وأجيب بأن حديث الجواز خاص والنهي عن الغرر عام ، والخاص يقدم على العام .

رابعها : أن الخبر إذا ورد على خلاف القواعد رد إليها ، وحديث الجواز على خلاف ثلاث قواعد : بيع الغرر ، والإجارة بمجهول ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها [ ص: 542 ] والكل حرام إجماعا .

وأجيب بأن الخبر إنما يجب رده إلى القواعد إذا لم يعمل به ، أما إذا عمل به قطعنا بإرادة معناه فيعتقد ، ولا يلزم الشارع إذا شرع حكما أن يشرعه مثل غيره ، بل له أن يشرع ما له نظير وما لا نظير له ، فدل ذلك على أنها مستثناة من تلك الأصول للضرورة ؛ إذ لا يقدر كل أحد على القيام بشجره ولا زرعه .

خامسها : أن ذلك لا يجوز قياسا على تنمية الماشية ببعض نمائها ، وأجيب بأن الماشية لا يتعذر بيعها عند العجز عن القيام بها ، بخلاف الزرع الصغير والثمرة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث