الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة تغطية الرأس

مسألة : - ( الرابع : تغطية الرأس والأذنان منه ) :

وجملة ذلك : أن تغطية الرأس - على المحرم - حرام بإجماع المسلمين ؛ والأصل في ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - " ولا يلبس العمامة ولا البرنس " وقوله - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته راحلته - : " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " متفق عليه . فمنع من تخمير رأسه بعد الموت لبقاء الإحرام عليه . فعلم أن من حكم المحرم أن لا يخمر رأسه . وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفا عن سلف .

[ ص: 52 ] وقد روي عن الحسن بن محمد قال : "أبصر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوما بعرفة عليهم القمص والعمائم ، فأمر أن تعاد عليهم الجزية " .

وعن عون قال : أبصر عمر بن الخطاب قوما بعرفة عليهم القمص والعمائم فقال : "إن علموا فعاقبوهم ، وإن كانوا جهالا فعلموهم " .

والأذنان من الرأس - لما تقدم في الطهارة - وعليه أن يكشف من حدود الوجه والسالفة ما لا ينكشف الرأس إلا به .

فأما الوجه : ففيه ثلاث روايات : إحداهن : له أن يغطي وجهه ، قال - في رواية أبي داود - : يغطي وجهه وحاجبيه ، وسئل في رواية حنبل عن المحرم يغطي وجهه قال : لا بأس بذلك .

وقال - أيضا - في رواية ابن مشيش في محرم مات يغطى وجهه ولا يغطى رأسه ، وقال مهنا : سألت أحمد عن المحرم يموت ؛ هل يغطى وجهه ؟ قال : قد اختلفوا فيه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال بعضهم : لا يغطى رأسه ، قلت : أيهما أعجب إليك يغطى وجه المحرم إذا مات أو لا يغطى قال : أما الرأس فلا أرى أن يغطوه وأما الوجه : فأرجو أن لا يكون به بأس .

[ ص: 53 ] وقال أبو الحارث : قلت له : تذهب إلى أن يخمر وجهه ويكشف رأسه ؟ قال : نعم على ما جاء عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أصح من غيره وهو اختيار القاضي وأصحابه . قال الخلال : لعل أبا عبد الله صوب القول قديما ، فذهب إلى ما حكاه إسماعيل بن سعيد ، ثم ذهب بعد ذلك إلى ما روى مهنا والجميع عنه : أنه لا يخمر رأسه ، ويخمر وجهه .

والثانية : لا يغطى وجهه ؛ قال في رواية ابن منصور وإسماعيل بن سعيد الشالنجي : والمحرم يموت لا يغطى رأسه ولا وجهه ، وذلك لما روى ابن عباس : أن رجلا أوقصته راحلته - وهو محرم - فمات ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تخمروا وجهه ، ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود والترمذي .

وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال : "إذا مات المحرم لم يغط وجهه [ ص: 54 ] حتى يلقى الله محرما " رواه أحمد في رواية ابنه عبد الله .

والثالثة : قال - في رواية أبي طالب - : "يخمر أسفل من الأنف ووضع يديه على فمه دون أنفه يغطيه من الغبار " وفي لفظ قال : إحرام الرجل في رأسه ووجهه ، ولا يغطى رأسه ، ومن نام فوجد رأسه مغطى فلا بأس . والأذنان من الرأس يخمر أسفل من الأذنين ، وأسفل الأنف ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تخمروا رأسه " فأذهب إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وإحرام المرأة في وجهها لا تنتقب ولا تتبرقع ، وتسدل الثوب على رأسها من فوق ، وتلبس من خزها وقزها ومعصفرها وحليها في إحرامها مثل قول عائشة . وذلك لأن حد الرأس الأذنان والسالفة فيكشف ما يحاذيه من الأنف وما علاه . وما دون ذلك فيغطيه إن شاء ؛ لأنه خارج عن حد الرأس .

وسواء غطى الرأس بما صنع على قدره من عمامة وقلنسوة وكلته ونحو ذلك أو بغير ذلك ، مثل خرقة ، أو عصابة ، أو ورقة ، أو خرقة فيها دواء ، أو ليس [ ص: 55 ] فيها دواء ، وكذلك إن خضب رأسه بحناء أو طينه ، إلا أن يحتاج إلى شيء من ذلك فيفعله ويفتدي .

وسواء كان الغطاء غليظا أو رقيقا ، فأما . . . .

وأيضا ما روي عن الفرافصة قال : رأيت عثمان وزيدا وابن الزبير يغطون وجوههم وهم محرمون إلى قصاص الشعر .

وعن عائشة بنت سعد قالت : كان أبي يأمر الرجال أن يخمروا وجوههم وهم حرم ، وينهى النساء .

وعن أبي الزبير عن جابر قال : "ليغشى وجهه بثوبه وأهوى إلى شعر رأسه ، وأشار أبو الزبير بثوبه إلى رأسه " .

وعن عطاء عن ابن عباس قال : "المحرم يغطي وجهه ما دون الحاجب " .

[ ص: 56 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث