الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة جزء
            34 - القذاذة في تحقيق محل الاستعاذة

            بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى .

            وقع السؤال عما يقع من الناس كثيرا إذا أرادوا إيراد آية قالوا : قال الله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويذكرون الآية هل ( بعد ) هذه جائزة قبل الاستعاذة أم لا ؟ وهل أصاب القارئ في ذلك أو أخطأ ؟

            فأقول : الذي ظهر لي من حيث النقل والاستدلال أن الصواب أن يقول : قال الله تعالى ، ويذكر الآية ولا يذكر الاستعاذة فهذا هو الثابت في الأحاديث والآثار من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فمن بعدهم - أخرج أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، والنسائي عن أنس قال : قال أبو طلحة : " يا رسول الله إن الله يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء " الحديث ، وأخرج عبد بن حميد ، والبزار عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال : قال عبد الله بن عمر : حضرتني هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد أحب إلي من جارية لي رومية فأعتقتها ، وأخرج ابن المنذر عن نافع قال : كان ابن عمر يشتري السكر فيتصدق به ، فنقول له : لو اشتريت لهم بثمنه طعاما كان أنفع لهم ، فيقول : إني أعرف الذي تقولون لكن سمعت الله يقول ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) وإن ابن عمر يحب السكر .

            وأخرج الترمذي عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره مات يهوديا أو نصرانيا ، وذلك بأن الله تعالى يقول ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) " وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الربيع بن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 353 ] " إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه ، ومن وثق به نجاه " قال الربيع : وتصديق ذلك في كتاب الله ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) ، وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك بن الوليد أنه سأل ابن عباس : ما تقول في سلطان علينا يظلمونا ، ويعتدون علينا في صدقاتنا أفلا نمنعهم ؟ قال : لا ، الجماعة الجماعة ، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها ، أما سمعت قول الله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ؟

            وأخرج أبو يعلى ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تستضيئوا بنار المشركين ) قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) ، وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الجمعة : " هي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام ، وذلك لأن الله يقول : ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) " والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر فالصواب الاقتصار على إيراد الآية من غير استعاذة اتباعا للوارد في ذلك ، فإن الباب باب اتباع ، والاستعاذة المأمور بها في قوله تعالى ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) إنما هي عند قراءة القرآن للتلاوة ، أما إيراد آية منه للاحتجاج والاستدلال على حكم فلا ، وأيضا فإن قوله : " قال الله تعالى بعد أعوذ بالله " تركيب لا معنى له وليس [فيه] متعلق للظرف وإن قدر تعلقه بقال ففيه الفساد الآتي ، وإن قال : قال الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وذكر الآية ففيه من الفساد جعل الاستعاذة مقولا لله وليست من قوله ، وإن قدم الاستعاذة ثم عقبها بقوله : قال الله وذكر الآية فهو أنسب من الصورتين ، غير أنه خلاف الوارد ، وخلاف المعهود من وصل آخر الاستعاذة بأول المقروء من غير تخلل فاصل ، ولا شك أن الفرق بين قراءة القرآن للتلاوة ، وبين إيراد آية منه للاحتجاج جلي واضح .

            التالي السابق


            الخدمات العلمية