الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلام أبي حامد الإسفرايني في " التعليق في أصول الفقه "

وقد قال أبو حامد في كتاب " التعليق في أصول الفقه ": "مسألة في أن الأمر أمر لصيغته أو لقرينة تقترن به: اختلف الناس في الأمر: هل له صيغة تدل على كونه أمرا، أم ليس له ذلك؟ على ثلاثة مذاهب، فذهب أئمة الفقهاء إلى أن الأمر له صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا إذا عريت عن القرائن، وذلك مثل قول القائل: افعل كذا وكذا، وإذا وجد ذلك عاريا عن القرائن كان أمرا، ولا يحتاج في كونه أمرا إلى قرينه.

هذا مذهب الشافعي رحمه الله ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي، وجماعة أهل العلم، وهو قول البلخي من المعتزلة.

وذهبت المعتزلة بأسرها - غير البلخي - إلى أن الأمر لا صيغة له، ولا يدل اللفظ بمجرده على كونه أمرا، وإنما يكون أمرا بقرينة تقترن [ ص: 107 ] به، وهي الإرادة، ثم اختلفوا في تلك الإرادة: فمنهم من قال: هي إرادة المأمور به، فإذا قال: افعل، وأراد بذلك إيجاد المأمور به صار أمرا، وإذا عري عن ذلك لم يكن أمرا، ومنهم من قال: يحتاج إلى إرادة شيئين: إرادة المأمور به، وإرادة كون اللفظ أمرا، ومنهم من اعتبر إرادة ثلاثة أشياء، ولسنا نتكلم معهم في هذا الفصل، فإنه شيء يتفرع على مذاهبهم، وإنما الخلاف بيننا وبينهم في الأصل، وهو أن اللفظ هل يكون أمرا بصيغته، أو بقرينة تقترن به؟

وذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن الأمر هو معنى قائم بنفس الآمر، لا يفارق الذات ولا يزايلها، وكذلك عنده سائر أقسام الكلام من النهي والخبر والاستخبار وغير ذلك، كل هذه المعاني قائمة بالذات لا تزايلها، كالقدرة والعلم وغير ذلك، وسواء في هذا أمر الله تعالى وأمر الآدميين، إلا أن أمر الله تعالى يختص بكونه قديما، وأمر الآدمي محدث، وهذه الألفاظ والأصوات ليست عندهم أمرا ولا نهيا، وإنما هي عبارة عنه".

قال: "وكان ابن كلاب عبد الله بن سعيد القطان يقول: هي حكاية عن الأمر، وخالفه أبو الحسن الأشعري في ذلك، فقال: لا يجوز أن يقال: "إنها حكاية" ؛ لأن الحكاية تحتاج إلى أن تكون مثل المحكي، ولكن هو عبارة عن الأمر القائم بالنفس، وتقرر مذهبهم على هذا. فإذا كان هذا حقيقة مذهبهم، فليس يتصور بيننا وبينهم خلاف [ ص: 108 ] في أن الأمر هل له صيغة أم لا، فإنه إذا كان الأمر عندهم هو المعنى القائم بالنفس، فذلك المعنى لا يقال: إن له صيغة، أو ليست له صيغة، وإنما يقال ذلك في الألفاظ، ولكن يقع الخلاف في اللفظ الذي هو عندهم عبارة عن الأمر، وعندنا أن هذا هو أمر، وتدل صيغته على ذلك من غير قرينة، وعندهم أنه لا يكون عبارة عن الأمر، ولا دالا على ذلك بمجرد صيغته، ولكنه يكون موقوفا على ما بينه الدليل، فإن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن الأمر حمل عليه، وأن دل الدليل على أنه أريد به العبارة عن غيره من التهديد والتعجيز والتحذير وغير ذلك حمل عليه، إلا أننا نتكلم معهم في الجملة: أن هذا اللفظ، هل يدل على الأمر من غير قرينة أم لا" ؟ وبسط كلامه في هذه المسألة إلى آخرها.

وهذا أيضا معروف عن أئمة الطريقة الخراسانية، ومن متأخريهم أبو محمد الجويني والد أبي المعالي.

وقد ذكر القاضي أبو القاسم بن عساكر في مناقبه ما ذكره عبد الغافر الفارسي في ترجمة أبي محمد الجويني "قال: سمعت خالي أبا [ ص: 109 ] سعيد - يعني عبد الواحد بن أبي القاسم القشيري - يقول: كان أئمتنا في عصره، والمحققون من أصحابنا، يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في عصره لما كان إلا هو، من حسن طريقته وورعه وزهده وديانته في كمال فضله".

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث