الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الصيام الثاني

وهو المندوب إليه

والنظر في الصيام المندوب إليه هو في تلك الأركان الثلاثة ، وفي حكم الإفطار فيه .

فأما الأيام التي يقع فيها الصوم المندوب إليه وهو الركن الأول ، فإنها على ثلاثة أقسام : أيام مرغب فيها ، وأيام منهي عنها ، وأيام مسكوت عنها . ومن هذه ما هو مختلف فيه ، ومنها ما هو متفق عليه .

أما المرغب فيه المتفق عليه : فصيام يوم عاشوراء .

وأما المختلف فيه : فصيام يوم عرفة وست من شوال ، والغرر من كل شهر ( وهي : الثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر .

أما صيام يوم عاشوراء ، فلأنه ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامه وأمر بصيامه وقال فيه : " من كان أصبح صائما فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه " .

واختلفوا فيه هل هو التاسع أو العاشر . والسبب في ذلك اختلاف الآثار :

خرج مسلم عن ابن عباس قال : " إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ، قلت : هكذا كان محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه ؟ قال : نعم " .

وروي : " أنه حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه يوم يعظمه اليهود والنصارى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع " . قال : فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم .

وأما اختلافهم في يوم عرفة ، فلأن النبي - عليه الصلاة والسلام - أفطر يوم عرفة ، وقال فيه : " صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية " . ولذلك اختلف الناس في ذلك ، واختار الشافعي الفطر فيه للحاج، وصيامه لغير [ ص: 258 ] الحاج جمعا بين الأثرين . وخرج أبو داود : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة " .

وأما الست من شوال ، فإنه ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " إلا أن مالكا كره ذلك ، إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس في رمضان ، وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده وهو الأظهر .

وكذلك كره مالك تحري صيام الغرر مع ما جاء فيها من الأثر مخافة أن يظن الجهال بها أنها واجبة ، وثبت : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام غير معينة ، وأنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص لما أكثر الصيام : " أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام ؟ قال : فقلت يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك ، قال : خمسا ، قلت : يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك ، قال : سبعا ، قلت : يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك ، قال : تسعا ، قلت : يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك ، قال : أحد عشر ، قلت : يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : لا صوم فوق صيام داود ، شطر الدهر : صيام يوم ، وإفطار يوم " .

وخرج أبو داود : " أنه كان يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس " .

وثبت أنه لم يستتم قط شهرا بالصيام غير رمضان ، وإن أكثر صيامه كان في شعبان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث