الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات

أربعة أمثال للمؤمنين والكافرين ، وللإيمان والكفر ، شبه الكافر بالأعمى ، والكفر بالظلمات والحرور ، والكافر بالميت ، وشبه المؤمن بالبصير ، وشبه الإيمان بالنور ، وشبه المؤمن بالحي تشبيه المعقول بالمحسوس . فبعد أن بين قلة نفع النذارة للكافرين وأنها لا ينتفع بها غير المؤمنين ضرب للفريقين أمثالا كاشفة عن اختلاف حاليهما ، وروعي في هذه الأشباه توزيعها على صفة الكافر والمؤمن ، وعلى حالة الكفر والإيمان ، وعلى أثر الإيمان وأثر الكفر .

وقدم تشبيه حال الكافر وكفره على تشبيه حال المؤمن وإيمانه ابتداء لأن الغرض الأهم من هذا التشبيه هو تفظيع حال الكافر ثم الانتقال إلى حسن حال ضده لأن هذا التشبيه جاء لإيضاح ما أفاده القصر في قوله إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب كما تقدم آنفا من أنه قصر إضافي قصر قلب ، فالكافر شبيه بالأعمى في اختلاط أمره بين عقل وجهالة ، كاختلاط أمر الأعمى بين إدراك وعدمه .

والمقصود : أن الكافر وإن كان ذا عقل يدرك به الأمور فإن عقله تمحض لإدراك أحوال الحياة الدنيا وكان كالعدم في أحوال الآخرة كقوله تعالى يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، فحاله المقسم بين انتفاع بالعقل وعدمه يشبه حال الأعمى في إدراكه أشياء وعدم إدراكه .

والعمى يعبر به عن الضلال ، قال ابن رواحة :

[ ص: 293 ]

أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع

ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبين للأشياء ، فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء ، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتيادية ، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى ، كما لو وصفت الطريق للسائر في الظلام .

وجيء في الظلمات بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون الظلمة إلا بصيغة الجمع . وقد تقدم في قوله وجعل الظلمات والنور في الأنعام .

وضرب الظل مثلا لأثر الإيمان ، وضده وهو الحرور مثلا لأثر الكفر ، فالظل مكان نعيم في عرف السامعين الأولين ، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي تتطلب الظل للنعيم غالبا إلا في بعض فصل الشتاء ، وقوبل بالحرور لأنه مؤلم ومعذب في عرفهم كما علمت ، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه بالظل في حالة استطابته .

والحرور : حر الشمس ، ويطلق أيضا على الريح الحارة وهي السموم ، أو الحرور : الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار .

وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة " الحرور " ، وفواصل القرآن من متممات فصاحته ، فلها حظ من الإعجاز .

فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر ، وتصدر فيه الأعمال عن تبصر وتريث وإتقان . وحال الكافر يشبه الحرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن معه القوى من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجلة متفككة .

واعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطف وأدوات نفي ، فكل من الواوين اللذين في قوله " ولا الظلمات " الخ ، وقوله " ولا الظل " الخ عاطف جملة على جملة وعاطف تشبهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين . والتقدير : ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظل والحرور ، وقد صرح بالمقدر أخيرا في قوله وما يستوي الأحياء ولا الأموات .

[ ص: 294 ] وأما الواوات الثلاثة في قوله " والبصير " " ولا النور " " ولا الحرور " فكل واو عاطف مفردا على مفرد ، فهي ستة تشبيهات موزعة على كل فريق ، فـ " البصير " عطف على " الأعمى " ، و " النور " عطف على الظلمات ، و " الحرور " عطف على الظل ، ولذلك أعيد حرف النفي .

وأما أدوات النفي فاثنان منها مؤكدان للتغلب الموجه إلى الجملتين المعطوفتين المحذوف فعلاهما " ولا الظلمات " ، " ولا الظل " ، واثنان مؤكدان لتوجه النفي إلى المفردين المعطوفين على مفردين في سياق نفي التسوية بينهما وبين ما عطفا عليهما وهما واو " ولا النور " ، وواو " ولا الحرور " ، والتوكيد بعضه بالمثل وهو حرف " لا " وبعضه بالمرادف وهو حرف " ما " ولم يؤت بأداة نفي في نفي الاستواء الأول لأنه الذي ابتدئ به نفي الاستواء المؤكد من بعد فهو كله تأييس . وهو استعمال قرآني بديع في عطف المنفيات من المفردات والجمل ، ومنه قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة في سورة فصلت .

وجملة وما يستوي الأحياء ولا الأموات أظهر في هذه الجملة الفعل الذي قدر في الجملتين اللتين قبلها وهو فعل " يستوي " لأن التمثيل هنا عاد إلى تشبيه حال المسلمين والكافرين إذ شبه حال المسلم بحال الأحياء وحال الكافرين بحال الأموات ، فهذا ارتقاء في تشبيه الحالين من تشبيه المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى إلى تشبيه المؤمن بالحي والكافر بالميت ، ونظيره في إعادة فعل الاستواء قوله تعالى في سورة الرعد قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور .

فلما كانت الحياة هي مبعث المدارك والمساعي كلها وكان الموت قاطعا للمدارك والمساعي ، شبه الإيمان بالحياة في انبعاث خير الدنيا والآخرة منه وفي تلقي ذلك وفهمه ، وشبه الكفر بالموت في الانقطاع عن الأعمال والمدركات النافعة كلها وفي عدم تلقي ما يلقى إلى صاحبه فصار المؤمن شبيها بالحي مشابهة كاملة لما خرج من الكفر إلى الإيمان ، فكأنه بالإيمان نفخت فيه الحياة بعد الموت كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الأنعام أومن كان ميتا فأحييناه ، وكان الكافر شبيها بالميت ما دام على كفره . واكتفي بتشبيه الكافر والمؤمن في موضعين عن [ ص: 295 ] تشبيه الكفر والإيمان وبالعكس لتلازمهما ، وأوتي تشبيه الكافر والمؤمن في موضعين لكون وجه الشبه في الكافر والمؤمن أوضح ، وعكس ذلك في موضعين لأن وجه الشبه أوضح في الموضعين الآخرين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث