الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس بينا في نفسه

فصل

ينقسم القرآن العظيم إلى :

ما هو بين بنفسه ، بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ، ولا من غيره ، وهو كثير . ومنه قوله - تعالى - : التائبون العابدون ( التوبة : 112 ) الآية ، وقوله : إن المسلمين والمسلمات ( الأحزاب : 35 ) الآية ، وقوله : قد أفلح المؤمنون ( المؤمنون : 1 ) ، وقوله : واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ( يس : 13 ) ، وقوله : ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا ( النساء : 47 ) .

[ ص: 322 ] وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان . وبيانه إما فيه في آية أخرى ، أو في السنة ، لأنها موضوعة للبيان ، قال - تعالى - : لتبين للناس ما نزل إليهم ( النحل : 44 ) .

والثاني : ككثير من أحكام الطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والمعاملات ، والأنكحة ، والجنايات ، وغير ذلك ، كقوله - تعالى - : وآتوا حقه يوم حصاده ( الأنعام : 141 ) ولم يذكر كيفية الزكاة ، ولا نصابها ، ولا أوقاصها ، ولا شروطها ، ولا أحوالها ، ولا من تجب عليه ممن لا تجب عليه ، وكذا لم يبين عدد الصلاة ولا أوقاتها .

وكقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ( البقرة : 185 ) ، ولله على الناس حج البيت ( آل عمران : 97 ) ولم يبين أركانه ولا شروطه ، ولا ما يحل في الإحرام ، وما لا يحل ، ولا ما يوجب الدم ولا ما لا يوجبه ، وغير ذلك .

والأول قد أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه بما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود لما نزل : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( الأنعام : 82 ) شق ذلك على المسلمين ، فقالوا : يا رسول الله ! وأينا لا يظلم نفسه ! قال : ليس ذلك ، إنما هو الشرك ، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ( لقمان : 13 ) ، فحمل النبي - صلى الله عليه وسلم - الظلم هاهنا على الشرك ، لمقابلته بالإيمان . واستأنس عليه بقول لقمان .

وقد يكون بيانه مضمرا فيه ، كقوله - تعالى - : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها ( الزمر : 73 ) فهذا يحتاج إلى بيان ؛ لأن ( حتى إذا ) لا بد لها من تمام ، وتأويله : [ ص: 323 ] حتى إذا جاءوها جاءوها وفتحت أبوابها . ومثله : ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ( الرعد : 31 ) أي : لكان هذا القرآن على رأي النحويين . قال ابن فارس : ويسمى هذا عند العرب الكف .

وقد يومئ إلى المحذوف ، إما متأخر كقوله - تعالى - : أفمن شرح الله صدره للإسلام ( الزمر : 22 ) فإنه لم يجيء له جواب في اللفظ ، لكن أومأ إليه قوله : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ( الزمر : 22 ) ، وتقديره : أفمن شرح الله صدره للإسلام ، كمن قسا قلبه ؛ وإما متقدم كقوله - تعالى - : أم من هو قانت آناء الليل ( الزمر : 9 ) فإنه أومأ إلى ما قبله : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ( الزمر : 8 ) كأنه قال : أهذا الذي هو هكذا خير أم من هو قانت ؟ فأضمر المبتدأ .

ونظيره : مثل الجنة التي وعد المتقون ( محمد : 15 ) ومن هذه صفته : كمن هو خالد في النار ( محمد : 15 ) .

وقد يكون بيانه واضحا وهو أقسام :

أحدها : أن يكون عقبه ، كقوله - تعالى - : الله الصمد ( الإخلاص : 2 ) قال محمد بن كعب القرظي تفسيره : لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( الإخلاص : 3 و 4 ) .

وكقوله - تعالى - : إن الإنسان خلق هلوعا ( المعارج : 19 ) قال أبو العالية : تفسيره : إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ( المعارج : 20 و 21 ) ، وقال ثعلب : سألني محمد بن طاهر : ما الهلع ؟ فقلت : قد فسره الله - تعالى .

وكقوله - تعالى - : فيه آيات بينات ( آل عمران : 97 ) فسره بقوله : مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ( آل عمران : 97 ) .

وقوله : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ( الأنبياء : 98 ) ومعلوم أنه لم يرد به المسيح وعزيرا والملائكة ؛ فنزلت الآية مطلقة ، اكتفاء بالدلالة [ ص: 324 ] الظاهرة ، على أنه لا يعذبهم الله ، وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ ، فلما قال المشركون : هذا هو المسيح وعزير قد عبدا من دون الله أنزل الله : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ( الأنبياء : 101 ) .

وقوله : يريكم البرق خوفا وطمعا ( الرعد : 12 ) ففسر رؤية البرق بأنه ليس في رؤيته إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار . وفيها لطيفة ، وهى تقديم الخوف على الطمع إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة ، ولا يحصل المطر إلا بعد تواتر البرقات ، فإن تواترها لا يكاد يكذب ، فقدم الخوف على الطمع ، ناسخا للخوف ، كمجيء الفرج بعد الشدة .

وكقوله : والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه الآية ( النور : 45 ) وفيها لطيفة حيث بدأ بالمشي على بطنه ، فإنها سيقت لبيان القدرة ، وهو أعجب من الذي بعده ، وكذا ما يمشي على رجلين أعجب ممن يمشي على أربع .

وكقوله - تعالى - : فمن ما ملكت أيمانكم ( النساء : 25 ) فهذا عام في المسلم والكافر ، ثم بين أن المراد المؤمنات بقوله : من فتياتكم المؤمنات ( النساء : 25 ) فخرج تزوج الأمة الكافرة .

وقوله - تعالى - : ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ( الإسراء : 72 ) فإن الأول اسم منه والثاني أفعل تفضيل ، بدليل قوله بعده : وأضل سبيلا ( الإسراء : 72 ) ولهذا قرأ أبو عمرو الأول بالإمالة لأنه اسم ، والثاني بالتصحيح ليفرق بين ما هو اسم ، وما هو أفعل منه بالإمالة وتركها . فإن قلت : فقد قال النحويون : أفعل التفضيل لا يأتي من الخلق ، فلا يقال : زيد أعمى من عمرو ؛ لأنه لا [ ص: 325 ] يتفاوت . قلت : إنما جاز في الآية لأنه من عمى القلب ، أي من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عما يرى من القدرة الإلهية ، ولا يؤمن به فهو عما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى أن يؤمن به ؛ أي أشد عمى . ولا شك أن عمى البصيرة متفاوت .

ومنه قوله - تعالى - : ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ( البقرة : 153 ) قال البيهقي في شعب الإيمان : الأشبه أن المراد بالصبر هاهنا الصبر على الشدائد ؛ لأنه أتبع مدح الصابرين بقوله : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ( البقرة : 154 ) إلى قوله : وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة ( البقرة : 155 و 156 ) .

الثاني : أن يكون بيانه منفصلا عنه في السورة معه أو في غيره ، كقوله - تعالى - : مالك يوم الدين ( الفاتحة : 4 ) وبيانه في سورة الانفطار بقوله : وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ( الانفطار : 17 - 18 ) .

وقوله في سورتي النمل ( الآية : 89 ) والقصص ( الآية : 84 ) : من جاء بالحسنة فله خير منها ولم يبين في ليل ولا نهار ، وبينه في سورة الدخان بقوله : في ليلة مباركة ( الآية : 3 ) ثم بينها في ليلة القدر بقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر ( الآية : 1 ) فالمباركة في الزمان هي ليلة القدر في هذه السورة ؛ لأن الإنزال واحد ، وبذلك يرد على من زعم أن المباركة ليلة النصف من شعبان ، وعجب كيف غفل عن ذلك ؟ ! .

وقد استنبط بعضهم هنا بيانا آخر ، وهو أنها ليلة سبعة عشر من قوله - تعالى - : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ( الأنفال : 41 ) وذلك ليلة سبع عشرة من رمضان ؛ وفي ذلك كلام .

وقوله - تعالى - : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ( المائدة : 54 ) فسره في آية الفتح : أشداء على الكفار رحماء بينهم ( الآية : 29 ) .

وقوله - تعالى - : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول ( الحج : 23 و 24 ) وقد فسره في سورة فاطر : وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ( الآية : 34 ) .

وقوله : وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ( الزخرف : 17 ) [ ص: 326 ] بين ذلك بقوله في النحل : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ( الآية : 58 ) .

وذكر الله الطلاق مجملا ، وفسره في سورة الطلاق . وقال - تعالى - : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ( المؤمنون : 6 ) فاستثنى الأزواج وملك اليمين ، ثم حظر - تعالى - الجمع بين الأختين ، وبين الأم والابنة والرابة بالآية الأخرى ( النساء : 33 ) .

ومنه قوله - تعالى - : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ( الزمر : 3 ) فإن ظاهره مشكل ؛ لأن الله - سبحانه - قد هدى كفارا كثيرا وماتوا مسلمين ، وإنما المراد : لا يهدي من كان في علمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب ، وبيانه بقوله - تعالى - في السورة : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ( الزمر : 19 ) وقوله في سورة أخرى : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ( يونس : 96 و 97 ) .

ومنه قوله - تعالى - : أجيب دعوة الداع إذا دعان ( البقرة : 186 ) وكثير من الناس يدعون فلا يستجاب لهم وبيانه بقوله - تعالى - : بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ( الأنعام : 41 ) فبين أن الإجابة متعلقة بالمشيئة ، على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فسر الإجابة بقوله : ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم ، إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها .

ومنه قوله - تعالى - : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ( الشورى : 20 ) وكثير من [ ص: 327 ] الناس يريد ذلك فلا يحصل له ، وبيانه في قوله : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ( الإسراء : 18 ) فهو كالذي قبله متعلق بالمشيئة .

ومنه قوله - تعالى - : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ( الرعد : 28 ) وقال في آية أخرى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ( الأنفال : 2 ) فإنه قد يستشكل اجتماعهما ؛ لأن الوجل خلاف الطمأنينة ؛ وهذا غفلة عن المراد ؛ لأن الاطمئنان إنما يكون عن ثلج القلب ، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد والعلم ، وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل ، والوجل إنما يكون عند خوف الزيغ ، والذهاب عن الهدى ، وما يستحق به الوعيد بتوجيل القلوب كذلك . وقد اجتمعا في قوله - تعالى - : تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ( الزمر : 23 ) لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ، ووثقوا به ، فانتفى عنهم الشك والارتياب ، الذي يعرض إن كان كلامهم فيمن أظهر الإسلام تعوذا ، فجعل لهم حكمة دون العلم الموجب لثلج الصدور وانتفاء الشك ، ونظائره كثيرة .

ومنه قوله - تعالى - في قصة لوط : فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون ( الحجر : 65 ) فلم يستثن امرأته في هذا الموضع ، وهي مستثناة في المعنى بقوله في الآية الأخرى : فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ( هود : 81 ) فأظهر الاستثناء في هذه الآية .

وكقوله - تعالى - : إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ( الحجر : 52 ) [ ص: 328 ] اختصر جوابه لبيانه في موضع آخر : فقالوا سلاما قال سلام ( الذاريات : 25 ) ، وكقوله : الحر بالحر والعبد بالعبد ( البقرة : 178 ) الآية ، فإنها نزلت تفسيرا وبيانا لمجمل قوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ( المائدة : 45 ) لأن هذه لما نزلت لم يفهم مرادها .

وقوله - تعالى - : حرمت عليكم ( النساء : 23 ) هي تفسير لقوله : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ( النساء : 22 ) الآية .

وقوله : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب ( النساء : 7 ) الآية ، فإن هذه الآية مجملة ، لا يعلم منها من يرث من الرجال والنساء بالفرض والتعصيب ، ومن يرث ومن لا يرث ، ثم بينه في آية أخرى ، بقوله : يوصيكم الله في أولادكم ( النساء : 11 ) الآيات .

وكقوله : أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ( المائدة : 1 ) فهذا الاستثناء مجمل ، بينه في آية أخرى بقوله : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ( المائدة : 3 ) .

وكقوله : ليبلونكم الله بشيء من الصيد ( المائدة : 94 ) الآية ، فهذا الابتلاء مجمل لا يعلم أحد في الحل أم في الحرم بينه قوله : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ( المائدة : 95 ) الآية .

وكقوله : وهم من بعد غلبهم سيغلبون ( الروم : 3 ) وهذا المجمل بينه في آية أخرى بقوله : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ( التوبة : 33 ) الآية .

وكقوله - تعالى - : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ( البقرة : 40 ) قال العلماء : بيان هذا العهد قوله - تعالى - : لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم ( المائدة : 12 ) الآية ، فهذا عهده - عز وجل - ، وعهدهم تمام الآية في قوله : لأكفرن عنكم سيئاتكم ( المائدة : 12 ) فإذا وفوا العهد الأول أعطوا ما وعدوا .

وقوله - تعالى - : ويقول الذين كفروا لست مرسلا ( الرعد : 43 ) يرد عليهم بقوله : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين ( يس : 1 - 3 ) . وقوله - تعالى - : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ( الدخان : 12 ) فقيل لهم : ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ( المؤمنون : 75 ) [ ص: 329 ] وقيل بل نزل بعده : إنا كاشفوا العذاب ( الدخان : 15 ) والتقدير : إن كشفنا العذاب تعودوا .

وقوله : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( الزخرف : 31 ) فرد عليهم بقوله : وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ( القصص : 68 ) .

وقوله : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ( الفرقان : 60 ) بيانه : الرحمن علم القرآن ( الرحمن : 1 و 2 ) .

وقوله : قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ( الأنفال : 31 ) فقيل لهم : لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ( الإسراء : 88 ) .

وقوله : وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ( ص : 6 ) فقيل لهم في الجواب : فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ( فصلت : 24 ) الآية .

ومنه : أم يقولون نحن جميع منتصر ( القمر : 44 ) فقيل لهم : ما لكم لا تناصرون ( الصافات : 25 ) .

ومنه : لو أطاعونا ما قتلوا ( آل عمران : 168 ) فرد عليهم بقوله : لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ( آل عمران : 154 ) .

وقوله : أم يقولون تقوله ( الطور : 33 ) رد عليهم بقوله : ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ( الحاقة : 44 و 45 ) .

وقوله : مال هذا الرسول يأكل الطعام ( الفرقان : 7 ) فقيل لهم : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ( الفرقان : 20 ) .

وقوله : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ( الفرقان : 32 ) فقيل في سورة أخرى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ( الإسراء : 106 ) .

وقوله ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ( النمل : 45 ) تفسير هذا الاختصام ما قال في سورة أخرى : [ ص: 330 ] قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ( الأعراف : 75 ) الآية .

وقوله - تعالى - : لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ( يونس : 64 ) وفسرها في موضع آخر بقوله : تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ( فصلت : 30 ) .

ومنه حكاية عن فرعون لعنه الله : وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ( المؤمن : 29 ) فرد عليه في قوله وما أمر فرعون برشيد ( هود : 97 ) .

وقوله : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ( المجادلة : 18 ) وذكر هذا الحلف في قوله : قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( الأنعام : 23 ) .

وقوله في قصة نوح عليه السلام : أني مغلوب فانتصر ( القمر : 10 ) بين في مواضع أخر : ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ( الأنبياء : 77 ) .

وقوله : وقالوا قلوبنا غلف ( البقرة : 88 ) أي أوعية للعلم فقيل لهم : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( الإسراء : 85 ) .

وجعل بعضهم من هذا قوله - تعالى - : قال رب أرني أنظر إليك ( الأعراف : 143 ) قال : فإن آية البقرة وهى قوله : حتى نرى الله جهرة ( الآية : 55 ) تدل على أن قوله : ( رب أرني ) لم يكن عن نفسه وإنما أراد به مطالبة قومه ولم يثبت في التوراة أنه سأل الرؤية إلا وقت حضور قومه معه وسؤالهم ذلك .

ومن ذلك قوله - تعالى - : صراط الذين أنعمت عليهم ( الفاتحة : 7 ) بينة في آية النساء بقوله : من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ( الآية : 69 ) .

فإن قيل : فهلا فسرها آية مريم : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ( الآية : 58 ) الآية ! قيل : لا نسلم أولا أن هذه الآية في النبيين فقط ، لقوله : وممن حملنا مع نوح ( مريم : 58 ) وقوله : وممن هدينا واجتبينا ( مريم : 58 ) وهذا تصريح [ ص: 331 ] بالأنبياء وغيرهم . كيف وقد ذكرت مريم وهي صديقة على أحد القولين ! ولو سلم أنها في الأنبياء خاصة ، فهم بعض من أنعم الله عليهم ، وجعلهم في آية النساء صنفا من المنعم عليهم ، فكانت آية النساء من حيث هي عامة أولى بتفسير قوله : صراط الذين أنعمت عليهم ( الفاتحة : 7 ) ولأن آية مريم ليس فيها إلا الإخبار بأن الله أنعم عليهم ، وذلك هو معنى قوله : اهدنا الصراط المستقيم ( الفاتحة : 6 ) .

والرغبة إلى الله - تعالى - في الثبات عليها ، هي نفس الطاعة لله ولرسوله ، فإن العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم ، فقد هدي إلى الطاعة المقتضية أن يكون مع المنعم عليهم .

وظهر بهذا أن آية النساء أمس بتفسير سورة الحمد من الآية التي في سورة مريم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث