الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

السجود فيه غاية الخضوع والتواضع

فصل

ولما كثر ذكر السجود في القرآن، تارة أمرا به، وتارة ذما لمن [ ص: 358 ] يتركه، وتارة ثناء على فاعله، وتارة إخبارا عن سجود عظماء الخليقة وعمومهم، كان ذلك دليلا على فضيلة السجود. وهذا ظاهر، فإن السجود فيه غاية الخضوع والتواضع، وهو أفضل أركان الصلاة الفعلية وأكثرها، حتى إن مواضع الصلاة سميت به، فقيل "مسجد"، ولم يقل "مقام" ولا "مركع"، لوجهين:

أحدهما: أنه أفضل وأشرف وأكثر.

والثاني: أن نصيب الأرض منه أكثر من نصيبها من جميع الأفعال، فإن العبد يسجد على سبعة أعضاء، وإنما يقوم على رجلين. وأما الركوع فسيان نسبة الأرض إليه وإلى القيام، فلهذا قيل "مسجد"، وهو موضع السجود دون موضع الركوع. والركوع نصف سجود، والسجود شرع مثنى مثنى، في كل ركعة سجدتان، ولم يشرع من الأركان مثنى إلا هو، حتى سجود الجبران جعل أيضا مثنى، وهو سجدتا السهو. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسميهما "المرغمتين"، وقال في الشك: "إن كانت صلاته وترا شفعتا له صلاته، وإن كانت تامة كانتا ترغيما للشيطان" . فأقام السجدتين مقام ركعة في تكميل الصلاة، لأن الركن الأعظم من كل ركعة هما السجدتان.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة" . وقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود" . وقال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" . [ ص: 359 ]

ولما كانت الصلاة مثنى مثنى جعل في كل ركعة السجود مثنى مثنى، فكل سجدتين معقودتان بركعة، فتصير وترا، سجدتان وركوع، والركوع مقدمة أمامهما كتقدمة الوقوف على طواف الزيارة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" إذا أدركتمونا ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك" ، كما قال: "الحج عرفة" ، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ومن فاته التعريف فإنه يفعل الطواف والسعي ولكن لا يكون مدركا للحج، لكن يكون متحللا بعمرة أو عمل عمرة.

ولهذا قيل: واركعوا مع الراكعين ، فالركوع مع السجود تقدمة وتوطئة وباب إليه، وهو مشترك بين القيام والسجود وبرزخ بينهما، فالقيام قيام القراءة قبله، وأما القيام بعده فهو -والله أعلم- لأجل السجود بعده، ليكون السجود عن قيام، وهو السجود الكامل، فالرفع منه تكميل للركوع، والخفض من القيام تكميل للسجود. ولهذا هو ركن تام كما جاءت به السنة، وليس معادلته لبقية الأركان -كما كان يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "لا يقبل الله صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود" - لعدم تكميلها، فإنه أيضا إذا لم يقم صلبه بين السجدتين لا يكون قد أكمل الأولى برفعها ولا الثانية بخفضها.

فالسجود إذا شرع في الانحناء وهو قاعد، أما إذا كان وجهه قريبا من [ ص: 360 ] الأرض وألصقه فليس هذا بسجود.

ومن هنا غلط من غلط وقال: إن الاعتدالين ليسا بركنين طويلين، لما ظنوا أن المقصود مجرد الفضل، والصواب ما جاءت به السنة إيجابا للاعتدال واستحبابا لإتمامه وتسويته بسائر الأركان، لأن هذا القيام والقعود وإن كانا تابعا من بعض الوجوه فالقعود في آخر الصلاة أيضا تابع من بعض الوجوه للسجود، وإنما المقصود المحض: القيام المشتمل على القراءة المقصودة، والسجود الذي هو غاية الخضوع، كما قال: ساجدا وقائما . فإذا كان بعض أركان الصلاة الفعلية أفضل من بعض وأبلغ في كونه مقصودا لم يمنع إيجاب التابع المفضول، كالركعتين الأخريين مع الأوليين، وكإيجاب الطمأنينة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث