الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الطيب

مسألة : ( الخامس الطيب في بدنه وثيابه ) :

وجملة ذلك : أن المحرم يحرم عليه ابتداء الطيب بإجماع المسلمين . وهذا من العلم العام ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي أوقصته ناقته : " لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا ، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " وفي [ ص: 79 ] رواية : " لا تحنطوه " متفق عليه .

وقال - فيما يلبس المحرم من الثياب - : " ولا يلبس ثوبا مسه ورس ولا زعفران " رواه الجماعة . فإذا نهى عن المورس والمزعفر مع أن ريحهما ليس بذاك ، فما له رائحة ذكية أولى .

فأما إن تطيب قبل الإحرام بما له جرم يبقى كالمسك والذريرة والعنبر ونحوه ، أو مما لا يبقى كالورد والبخور ، ثم استدامه : لم يحرم ذلك عليه ، ولم يكره له لحديث عائشة أنها قالت : " كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أيام وهو محرم " متفق عليه ، وفي رواية : " كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وهو محرم " رواه مسلم وأبو داود والنسائي .

[ ص: 80 ] وقد تقدم أنها كانت تطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الإحرام .

وعن عائشة قالت : "كنا نخرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهانا " رواه أبو داود وأحمد .

ولفظ عنها : " أنهن كن يخرجن مع رسول الله - صلى الله عليه سلم - عليهن الضماد قد أضمدن قبل أن يحرمن ، ثم يغتسلن وهو عليهن يعرقن ويغتسلن لا ينهاهن عنه " ولأن الطيب بمنزلة النكاح لأنه من دواعيه ، فإذا كان إنما يمنع من ابتداء النكاح دون استدامته فكذلك الطيب .

وأيضا : فإن الطيب إنما يراد به الاستدامة كالنكاح ، فإذا منع من ابتدائه لم يمنع من استدامته ، وعكسه اللباس ، فإنه لا يراد للاستدامة ، ولأن الطيب من جنس النظافة من حيث يقصد به قطع الرائحة الكريهة كما يقصد بالنظافة إزالة ما يجمع الشعر والظفر من الوسخ . ثم استحب قبل الإحرام أن يأخذ من شعره وأظفاره لكونه ممنوعا منه بعد الإحرام ، وإن بقي أثره . فكذلك استحب له التطيب قبله ، وإن بقي أثره بعده .

فإن قيل : فقد روى صفوان بن أمية - يعني عن يعلى - أن يعلى كان [ ص: 81 ] يقول لعمر بن الخطاب : "ليتني أرى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حين ينزل عليه فلما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة ، وعلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوب قد أظل به ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل عليه جبة متضمخ بطيب ، فقال : يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب ؟ فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة ، ثم سكت فجاءه الوحي ، فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية تعال فجاءه يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - محمر الوجه يغط ساعة ، ثم سري عنه ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات ، وأما الجبة فانزعها ، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك " متفق عليه ، لفظ مسلم . وفي رواية : " أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة قد أهل بعمرة وهو معصفر رأسه ولحيته ، وعليه جبة ، فقال : يا رسول الله إني أحرمت بعمرة ، وأنا كما ترى ، فقال : "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة " وفي رواية : " وهو متضمخ بالخلوق " رواهما مسلم .

فهذا يبين أن استدامة الطيب كاستدامة اللباس ، وقد روي عن عمر وابنه نحو ذلك .

قيل : قد أجاب أصحابنا عن هذا بجوابين أحدهما : أنه أمره بغسله لأنه [ ص: 82 ] كان زعفرانا وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - أن يتزعفر الرجل سواء كان حراما أو حلالا لأن طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه .

الثاني : أن هذا كان بالجعرانة - وكانت في ذي القعدة سنة ثمان عقب قسم غنائم حنين وقد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة عشر واستدام الطيب ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه يكون ناسخا للأول

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث