الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب التكبير وما يتعلق به

وبعض المؤلفين لم يذكر هذا الباب أصلا كابن مجاهد في سبعته ، وابن مهران في غايته وكثير منهم يذكره مع باب البسملة متقدما كالهذلي وابن مؤمن ، والأكثرون أخروه لتعلقه بالسور الأخيرة ومنهم من يذكره في موضعه عند سورة والضحى ، و ألم نشرح كأبي العز القلانسي ، والحافظ أبي العلاء الهمداني وابن شريح ، ومنهم من أخره إلى بعد إتمام الخلاف وجعله آخر كتابه ، وهم الجمهور من المشارقة ، والمغاربة ، وهو الأنسب لتعلقه بالختم والدعاء وغير ذلك ، وينحصر الكلام على هذا الباب في أربعة فصول .

الفصل الأول : في سبب وروده

اختلف في سبب ورود التكبير من المكان المعين ، فروى الحافظ أبو العلاء [ ص: 406 ] بإسناده عن أحمد بن فرح عن البزي أن الأصل في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انقطع عنه الوحي ، فقال المشركون : قلى محمدا ربه ، فنزلت سورة والضحى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الله أكبر " ، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكبر إذا بلغ والضحى مع خاتمة كل سورة حتى يختم .

( قلت ) : وهذا قول الجمهور من أئمتنا كأبي الحسن بن غلبون وأبي عمرو الداني وأبي الحسن السخاوي ، وغيرهم من متقدم ومتأخر ، قالوا : فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - شكرا لله لما كذب المشركين ، وقال بعضهم : قال الله أكبر تصديقا لما أنا عليه وتكذيبا للكافرين ، وقيل : فرحا وسرورا ، أي بنزول الوحي ، قال شيخنا الحافظ أبو الفدا بن كثير رحمه الله : ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ، ولا ضعف ، يعني كون هذا سبب التكبير وإلا فانقطاع الوحي مدة ، أو إبطاؤه مشهور ، رواه سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس عن جندب البجلي كما سيأتي ، وهذا إسناد لا مرية فيه ، ولا شك . وقد اختلف أيضا في سبب انقطاع الوحي ، أو إبطائه ، وفي القائل قلاه ربه ، وفي مدة انقطاعه ، ففي الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة ، أو ليلتين فجاءته امرأة فقالت يا محمد إني أرى أن يكون شيطانك قد تركك فأنزل الله والضحى - إلى - ما ودعك ربك وما قلى ، وفي رواية أبطأ جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المشركون : قد ودع محمد فأنزل الله والضحى ، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره رمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجر في أصبعه فقال :

هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت

. قال : فمكث ليلتين ، أو ثلاثا لا يقوم ، فقالت له امرأة : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزلت والضحى
، وهذا سياق غريب في كونه جعل سببا لتركه القيام وإنزال هذه السورة ، قيل : إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب وقيل بعض بنات عمه ، وروى أحمد بن فرح قال : حدثني ابن أبي بزة بإسناد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدي إليه قطف [ ص: 407 ] عنب جاء قبل أوانه فهم أن يأكل منه فجاءه سائل فقال : أطعموني مما رزقكم الله ، قال : فسلم إليه العنقود فلقيه بعض أصحابه فاشتراه منه وأهداه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعاد السائل وسأله فأعطاه إياه فلقيه رجل آخر من الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعاد السائل فسأله فانتهره ، وقال : إنك ملح ، فانقطع الوحي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين صباحا فقال المنافقون : قلى محمدا ربه فجاء جبريل عليه السلام فقال : اقرأ يا محمد قال : ما أقرأ ؟ فقال : اقرأ والضحى فلقنه السورة فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبيا لما بلغ والضحى أن يكبر مع خاتمة كل سورة حتى يختم ، وهذا سياق غريب جدا ، وهو مما انفرد به ابن أبي بزة أيضا ، وهو معضل . وقال الداني : حدثنا محمد بن عبد الله المري حدثنا أبي . حدثنا علي بن الحسن . حدثنا أحمد بن موسى . حدثنا يحيى بن سلام في قوله وما نتنزل إلا بأمر ربك قال : قال قتادة : هذا قول جبريل عليه السلام احتبس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحيان الوحي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل وما نتنزل إلا بأمر ربك . وروى العوفي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك فقال المشركون : ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ما ودعك ربك وما قلى . قال الداني : فهذا سبب التخصيص بالتكبير من آخر والضحى واستعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه ، وذلك كان قبل الهجرة بزمان فاستعمل ذلك المكيون ونقل خلفهم عن سلفهم ، ولم يستعمله غيرهم لأنه - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك بعد فأخذوا بالآخر من فعله . وقيل كبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحا وسرورا بالنعم التي عددها الله عليه في قوله ألم يجدك إلى آخره وقيل شكرا لله تعالى على تلك النعم . ( قلت ) ويحتمل أن يكون تكبيره سرورا بما أعطاه الله عز وجل له ، ولأمته حتى يرضيه في الدنيا والآخرة ، فقد روى الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال : عرض على [ ص: 408 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك فأنزل الله ولسوف يعطيك ربك فترضى فأعطاه في الجنة ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس . ومثل هذا لا يقال : إلا عن توقيف فهو في حكم المرفوع عند الجماعة . وقال السدي عن ابن عباس كبر - صلى الله عليه وسلم - أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار ، وقال الحسن يعني بذلك الشفاعة ، وهكذا قال أبو جعفر الباقر رضي الله عنه ، وقيل كبر - صلى الله عليه وسلم - لما رآه من صورة جبرائيل عليه السلام التي خلقه الله عليها عند نزوله بهذه السورة ، فقد ذكر بعض السلف منهم الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبرائيل عليه السلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تبدى له في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه ، وهو بالأبطح " فأوحى إلى عبده ما أوحى " قال : قال له هذه السورة والضحى والليل إذا سجى .

( قلت ) : وهذا قول قوي جيد إذ التكبير إنما يكون غالبا لأمر عظيم ، أو مهول - والله أعلم - .

وقيل زيادة في تعظيم الله مع التلاوة لكتابه والتبرك بختم وحيه وتنزيله والتنزيه له من السوء قاله مكي ، وهو نحو قول علي رضي الله عنه الآتي : إذا قرأت القرآن فبلغت قصارى المفصل فكبر الله فكأن التكبير شكر لله وسرور وإشعار بالختم . فإن قيل : فما ذكرتم كله - يقتضي سبب ابتداء التكبير في والضحى ، أولها ، أو آخرها . وقد ثبت ابتداء التكبير أيضا من أول ألم نشرح فهل من سبب يقتضي ذلك ؟

( قلت ) : لم أر أحدا تعرض إلى هذا فيحتمل أن يكون الحكم الذي لسورة الضحى انسحب للسورة التي تليها وجعل حكم ما لآخر " الضحى " لأول ألم نشرح ويحتمل أنه لما كان ما ذكر فيها من النعم عليه - صلى الله عليه وسلم - هو من تمام تعداد النعم عليه فأخر إلى انتهائه ، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سألت ربي [ ص: 409 ] مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ، ومنهم من يحيي الموتى قال يا محمد : ألم أجدك يتيما فآويتك ؟ قلت : بلى يا رب . قال : ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ قلت : بلى يا رب . قال : ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ قلت : بلى يا رب . قال : ألم أشرح لك صدرك ، ألم أرفع لك ذكرك ؟ قلت : بلى يا رب . فكان التكبير عند نهاية ذكر النعم أنسب . ويحتمل أن يكون في هذه السورة من الخصيصة التي لا يشاركه فيها غيره ، وهو رفع ذكره - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول ورفعنا لك ذكرك قال مجاهد : لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وقال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ، ولا متشهد ، ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وروى ابن جرير عن أبي سعيد رفعه قال : أتاني جبريل فقال : إن ربك يقول : كيف رفعت ذكرك ؟ قال : الله أعلم قال : إذا ذكرت ذكرت معي . أخرجه ابن حيان في صحيحه من طرق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد . ورواه أبو يعلى الموصلي أيضا من طريق ابن لهيعة . وروى الحافظ ابن نعيم في دلائل النبوة بإسناد عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السماوات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وتذكر حجته : جعلت إبراهيم خليلا ، وموسى كليما ، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي ؟ قال : أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله . أن لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيلهم يقرءون القرآن ظاهرا ، ولم أعطها أمة وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي هو لا حول ولا قوة إلا بالله ، وهذا هو أنسب مما تقدم - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث