الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بسم الله الرحمن الرحيم .

كتاب الاعتكاف

والاعتكاف مندوب إليه بالشرع واجب بالنذر ، ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة أن لا يوفي شرطه وهو في رمضان أكثر منه في غيره ، وبخاصة في العشر الأواخر منه ، إذ كان ذلك هو آخر اعتكافه - صلى الله عليه وسلم - .

وهو بالجملة يشتمل على عمل مخصوص في موضع مخصوص وفي زمان مخصوص بشروط مخصوصة وتروك مخصوصة .

فأما العمل الذي يخصه ففيه قولان : قيل : إنه الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر والقرب ، وهو مذهب ابن القاسم . وقيل جميع أعمال القرب والبر المختصة بالآخرة ، وهو مذهب ابن وهب ، فعلى هذا المذهب يشهد الجنائز ويعود المرضى ويدرس العلم ، وعلى المذهب الأول لا ، وهذا هو مذهب الثوري ، والأول هو مذهب الشافعي وأبي حنيفة .

[ ص: 261 ] وسبب اختلافهم : أن ذلك شيء مسكوت عنه - أعني : أنه ليس فيه حد مشروع بالقول - . فمن فهم من الاعتكاف حبس النفس على الأفعال المختصة بالمساجد قال : لا يجوز للمعتكف إلا الصلاة والقراءة . ومن فهم منه حبس النفس على القرب الأخروية كلها أجاز له غير ذلك مما ذكرناه . وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : من اعتكف لا يرفث ولا يساب ، وليشهد الجمعة والجنازة ، ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس . ذكره عبد الرزاق . وروي عن عائشة خلاف هذا ، وهو أن السنة للمعتكف أن لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا . وهذا أيضا أحد ما أوجب الاختلاف في هذا المعنى .

وأما المواضع التي يكون فيها الاعتكاف : فإنهم اختلفوا فيها فقال قوم : لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : بيت الله الحرام، وبيت المقدس، ومسجد النبي - عليه الصلاة والسلام - وبه قال حذيفة وسعيد بن المسيب .

وقال آخرون : الاعتكاف عام في كل مسجد ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري ، وهو مشهور مذهب مالك .

وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد فيه جمعة ، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك .

وأجمع الكل على أن من شرط الاعتكاف المسجد ، إلا ما ذهب إليه ابن لبابة من أنه يصح في غير مسجد ، وأن مباشرة النساء إنما حرمت على المعتكف إذا اعتكف في المسجد ، وإلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المرأة إنما تعتكف في مسجد بيتها .

وسبب اختلافهم في اشتراط المسجد أو ترك اشتراطه : هو الاحتمال الذي في قوله - تعالى - : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) بين أن يكون له دليل خطاب أو لا يكون له ؟ فمن قال له دليل خطاب قال : لا اعتكاف إلا في مسجد ، وإن من شرط الاعتكاف ترك المباشرة . ومن قال ليس له دليل خطاب قال : المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد ، وأنه لا يمنع المباشرة لأن قائلا لو قال : لا تعط فلانا شيئا إذا كان داخلا في الدار ، لكان مفهوم دليل الخطاب يوجب أن تعطيه إذا كان خارج الدار ، ولكن هو قول شاذ . والجمهور على أن العكوف إنما أضيف إلى المساجد لأنها من شرطه .

وأما سبب اختلافهم في تخصيص بعض المساجد أو تعميمها : فمعارضة العموم للقياس المخصص له . فمن رجح العموم قال : في كل مسجد على ظاهر الآية ، ومن انقدح له تخصيص بعض المساجد من ذلك العموم بقياس اشترط أن يكون مسجدا فيه جمعة ( لئلا ينقطع عمل المعتكف بالخروج إلى الجمعة ) ، أو مسجدا تشد إليه المطي مثل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي وقع فيه اعتكافه ، ولم يقس سائر المساجد عليه إذ كانت غير مساوية له في الحرمة .

وأما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة : فمعارضة القياس أيضا للأثر ، وذلك أنه ثبت : " أن حفصة وعائشة وزينب أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الاعتكاف في المسجد ، فأذن لهن حين ضربن أخبيتهن فيه " . فكان هذا الأثر دليلا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد .

وأما القياس المعارض لهذا : فهو قياس الاعتكاف على الصلاة ، وذلك أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد على ما جاء الخبر وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل . قالوا وإنما [ ص: 262 ] يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مع زوجها فقط على نحو ما جاء في الأثر من اعتكاف أزواجه - عليه الصلاة والسلام - معه كما تسافر معه ولا تسافر مفردة ، وكأنه نحو من الجمع بين القياس والأثر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث