الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فصل منزلة الصبر

ومن منازل : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) منزلة الصبر .

قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا .

وهو واجب بإجماع الأمة . وهو نصف الإيمان . فإن الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر .

وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا .

الأول : الأمر به . نحو قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) وقوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . وقوله : ( اصبروا وصابروا ) وقوله : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) .

الثاني : النهي عن ضده كقوله : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) ، وقوله : ( فلا تولوهم الأدبار ) ، فإن تولية الأدبار : ترك للصبر والمصابرة . وقوله : ( ولا تبطلوا أعمالكم ) فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها . وقوله : ( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) فإن الوهن من عدم الصبر .

الثالث : الثناء على أهله ، كقوله تعالى : ( الصابرين والصادقين ) الآية ، وقوله : [ ص: 152 ] : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) . وهو كثير في القرآن .

الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم . كقوله : ( والله يحب الصابرين ) .

الخامس : إيجاب معيته لهم . وهي معية خاصة . تتضمن حفظهم ونصرهم ، وتأييدهم . ليست معية عامة . وهي معية العلم والإحاطة . كقوله : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) وقوله : ( والله مع الصابرين ) .

السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه . كقوله : ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) وقوله : ( وأن تصبروا خير لكم ) .

السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم . كقوله : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .

الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب . كقوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) .

التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر . كقوله تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) .

العاشر : ضمان النصر والمدد لهم . كقوله تعالى : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : واعلم أن النصر مع الصبر .

الحادي عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم . كقوله تعالى : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) .

[ ص: 153 ] الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة وجزاءها والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر ، كقوله تعالى : ( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) ، وقوله : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) .

الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر . كقوله تعالى لموسى : ( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ، وقوله في أهل سبإ : ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) . وقوله : في سورة الشورى : ( ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) .

الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب ، والنجاة من المكروه المرهوب ، ودخول الجنة ، إنما نالوه بالصبر ، كقوله تعالى : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) .

الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة . سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . ثم تلا قوله تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) .

السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان ، كما قرنه الله سبحانه باليقين وبالإيمان ، والتقوى والتوكل . وبالشكر والعمل الصالح والرحمة .

ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : خير عيش أدركناه بالصبر . وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه ضياء . وقال : من يتصبر يصبره [ ص: 154 ] الله .

وفي الحديث الصحيح : عجبا لأمر المؤمن ! إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن . إن أصابته سراء شكر . فكان خيرا له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيرا له . ‎ .

وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته أن يدعو لها : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك . فقالت : إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف . فدعا لها .

وأمر الأنصار - رضي الله تعالى عنهم - بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده ، حتى يلقوه على الحوض .

وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر . وأمر بالصبر عند المصيبة . وأخبر أنه إنما يكون [ ص: 155 ] عند الصدمة الأولى .

وأمر صلى الله عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له ، وهو الصبر والاحتساب . فإن ذلك يخفف مصيبته ، ويوفر أجره . والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة ، ويذهب الأجر .

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير كله ، فقال : ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع من الصبر . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث