الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فتوى في أمر الكنائس

[ ص: 362 ] [ ص: 363 ] ورد على شيخنا استفتاء في أمر الكنائس صورته:

ما يقول السادة العلماء -وفقهم الله- في إقليم توافق أهل الفتوى في هذا الزمان على أن المسلمين فتحوه عنوة من غير صلح ولا أمان، فهل ملك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟

وهل يكون الملك شاملا لما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدور والبيع والكنائس والقلايات والديورة ونحو ذلك، أو يختص الملك بما عدا متعبدات أهل الشرك؟

فإن ملك جميع ما فيه فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك من النصارى واليهود -بذلك الإقليم أو غيره- الذمة على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البيع والكنائس والديورة ونحوها متعبدا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنة في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟

فإن لم يجز -لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه- فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكم الغنيمة يتصرف فيه الإمام تصرفه في الغنائم أم لا؟

وإن جاز للإمام أن يعقد الذمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها فهل يملك من عقدت له الذمة بهذا العقد رقاب البيع والكنائس والديورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؟ لأجل أن الجزية لا تكون عن ثمن مبيع.

وإذا لم يملكوا ذلك وبقوا على الانتفاع بذلك، وانتقض عهدهم [ ص: 364 ] بسبب يقتضي انتقاضه، إما بموت من وقع عقد الذمة معه ولم يعقبوا، أو أعقبوا، فإن قلنا: إن أولادهم يستأنف معهم عقد الذمة -كما نص عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصباغ، وصححه العراقيون، واختاره ابن أبي عصرون في "المرشد"- فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرط أن لا تدخلوا الكنائس والبيع والديورة في العقد، فتكون كالأموال التي جهل مستحقوها وأيس من معرفتها، أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟ فهل ذلك يختص بالبيع والكنائس والديورة التي تحقق أنها كانت موجودة عند فتح المسلمين، ولا يجب عليه ذلك عند التردد في أن ذلك كان موجودا عند الفتح، أو حدث بعد الفتح، أو يجب عليه مطلقا فيما تحقق أنه كان موجودا قبل الفتح أو شك فيه؟ وإذا لم يجب في حالة الشك فهل يكون ما وقع الشك في أنه كان قبل الفتح، وجهل الحال فيمن أحدثه لمن هو؟ لبيت المال أم لا؟

وإذا قلنا: إن من بلغ من أولاد من عقدت معهم الذمة -وإن سلفوا- ومن غيرهم لا يحتاجون أن تعقد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقق أنه من أولادهم، يكون حكم كنائسهم وبيعهم حكم أنفسهم، أم يحتاج إلى تجديد عقد وذمة؟

وإذا قلنا: إنهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ، فهل تحتاج [كنائسهم] وبيعهم إليه أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكعامة أرض الشام وبعض مدنها، وكسواد العراق إلا [ ص: 365 ] مواضع قليلة فتحت صلحا، وكأرض مصر، فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء المتأملون للروايات الصحيحة في هذا الباب ، فإنها فتحت أولا صلحا، ثم نقض أهلها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستمده، فأمده بجيش كثير فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة.

ولهذا روي من وجوه كثيرة أن الزبير سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن يقسمها بين الجيش كما سأله بلال قسم الشام ، فشاور الصحابة في ذلك، فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يحبسها فيئا للمسلمين ينتفع بفائدتها أول المسلمين وآخرهم. ثم وافق عمر على ذلك بعض من كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقر الأمر على ذلك.

فما فتحه المسلمون عنوة فقد ملكهم الله إياه كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقار. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد. وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدلا أو محدثا لم [ ص: 366 ] يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه.

[و] قد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

ولهذا لما استولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم -كبني قينقاع والنضير وقريظة- كانت معابدهم مما استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله: وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وفي قوله تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم و ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى .

لكن وإن ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوع، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبر وأم الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المقاتلين الذين يؤسرون، وفي النساء والصبيان الذين يسبون، كذلك يختلف حكمه في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول. وقد أجمع المسلمون على أن الغنائم لها أحكام مختصة بها لا تقاس بسائر الأموال المشتركة.

ولهذا لما فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر أقر أهلها ذمة للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع ملكا للمسلمين عاملهم عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرط ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثم أجلاهم عمر رضي الله عنه في [ ص: 367 ] خلافته، واسترجع المسلمون ما كانوا أقروهم فيه من المساكن والمعابد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث