الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون هذه الجملة بدل اشتمال من جملة لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون فإن انتفاء إيمانهم يشتمل على ما تضمنته هذه الآية من جعل أغلال في أعناقهم حقيقة أو تمثيلا .

والجعل : تكوين الشيء ، أي جعلنا حالهم كحال من في أعناقهم أغلال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون ، فيجوز أن يكون تمثيلا بأن شبهت حالة إعراضهم عن التدبر في القرآن ودعوة الإسلام والتأمل في حججه الواضحة بحال قوم جعلت في أعناقهم أغلال غليظة ترتفع إلى أذقانهم فيكونون كالمقمحين ، أي الرافعين رءوسهم الغاضين أبصارهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا فلا ينظرون إلى شيء مما حولهم فتكون تمثيلية .

وذكر فهي إلى الأذقان لتحقيق كون الأغلال ملزوزة إلى عظام الأذقان بحيث إذا أراد المغلول منهم الالتفات أو أن يطأطئ رأسه وجعه ذقنه فلازم السكون ، وهذه حالة تخييل هذه الأغلال وليس كل الأغلال مثل هذه الحالة .

وهذا التمثيل قابل لتوزيع أجزاء المركب التمثيلي إلى تشبيه كل جزء من الحالين بجزء من الحالة الأخرى بأن يشبه ما في نفوسهم من النفور عن الخير بالأغلال ، ويشبه إعراضهم عن التأمل والإنصاف بالإقماح .

[ ص: 350 ] فالفاء في قوله فهي إلى الأذقان عطف على جملة جعلنا في أعناقهم أغلالا ، أي جعلنا أغلالا ، أي فأبلغناها إلى الأذقان .

والجعل : هنا حقيقة وهو ما خلق في نفوسهم من خلق التكبر والمكابرة .

والأغلال : جمع غل بضم الغين ، وهو حلقة عريضة من حديد كالقلادة ذات أضلاع من إحدى جهاتها وطرفين يقابلان أضلاعهما فيهما أثقاب متوازية تشد الحلقة من طرفيها على رقبة المغلول بعمود من حديد له رأس كالكرة الصغيرة يسقط ذلك العمود في الأثقاب فإذا انتهى إلى رأسه الذي كالكرة استقر ليمنع الغل من الانحلال والتفلت ، وتقدم عند قوله تعالى وأولئك الأغلال في أعناقهم في سورة الرعد .

والفاء في قوله فهم مقمحون تفريع على جملة فهي إلى الأذقان .

والمقمح : بصيغة اسم المفعول المجعول قامحا ، أي رافعا رأسه ناظرا إلى فوقه يقال : قمحه الغل ، إذ جعل رأسه مرفوعا وغض بصره ، فمدلوله مركب من شيئين . والأذقان : جمع ذقن بالتحريك ، وهو مجتمع اللحيين . وتقدم في الإسراء .

ويجوز أن يكون قوله إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا إلخ وعيدا بما سيحل بهم يوم القيامة حين يساقون إلى جهنم في الأغلال كما أشار إليه قوله تعالى إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون في سورة غافر ، فيكون فعل " جعلنا " مستقبلا وعبر عنه بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه كقوله تعالى " أتى أمر الله " أي : سنجعل في أعناقهم أغلالا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث