الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القضاء في ميراث الولد المستلحق

[ ص: 196 ] 22 - باب القضاء في ميراث الولد المستلحق

1420 - قال مالك : الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون ، فيقول أحدهم : قد أقر أبي أن فلانا ابنه : إن ذلك النسب لا يثبت بشهادة إنسان واحد ، ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من مال أبيه ، يعطى الذي شهد له قدر ما يصيبه من المال الذي بيده .

قال مالك : وتفسير ذلك ، أن يهلك الرجل ويترك ابنين له ، ويترك ستمائة دينار ، فيأخذ كل واحد منهما ثلاثمائة دينار ، ثم يشهد أحدهما أن أباه الهالك أقر أن فلانا ابنه ، فيكون على الذي شهد للذي استلحق ، مائة دينار ، وذلك نصف ميراث المستلحق ، لو لحق ، ولو أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى ، فاستكمل حقه وثبت نسبه .

وهو أيضا بمنزلة المرأة تقر بالدين على أبيها أو على زوجها ، وينكر ذلك الورثة ، فعليها أن تدفع إلى الذي أقرت له بالدين قدر الذي يصيبها من ذلك الدين ، لو ثبت على الورثة كلهم ، إن كانت امرأة ورثت الثمن ، دفعت إلى الغريم ثمن دينه ، وإن كانت ابنة ورثت النصف ، دفعت إلى الغريم نصف دينه على حساب هذا يدفع إليه من أقر له من النساء .

قال مالك : وإن شهد رجل على مثل ما شهدت به المرأة أن لفلان على [ ص: 197 ] أبيه دينا ، أحلف صاحب الدين مع شهادة شاهده ، وأعطي الغريم حقه كله ، وليس هذا بمنزلة المرأة ; لأن الرجل تجوز شهادته ، ويكون على صاحب الدين ، مع شهادة شاهده ، أن يحلف ، ويأخذ حقه كله ، فإن لم يحلف أخذ من ميراث الذي أقر له قدر ما يصيبه من ذلك الدين ; لأنه أقر بحقه ، وأنكر الورثة ، وجاز عليه إقراره .

التالي السابق


32410 - قال أبو عمر : أما المقر بأخ مجهول ، وله أخ معروف يجحد ذلك ، فقد اختلف الفقهاء بما يلزمه أخاه الذي أقر به :

فالذي ذهب إليه مالك ، وأصحابه ما ذكره في موطئه أنه يعطيه ثلث ما بيده ، لا يلزمه أكثر من ذلك ; لأنه لو ثبت أنه أخ لم يلزمه أكثر من ذلك ، فلا يلزمه بإقراره أكثر مما كان يلزمه بالبينة أنه ابن أبيه .

32411 - وبه قال أحمد بن حنبل .

32412 - والكوفيون يلزمه أن يعطيه نصف ما بيده ; لأنه قد أقر أنه شريك له فيما ترك أبوه ، فلا يستأثر عليه بشيء ، قالوا : يدخل عليه من ظلم أخيه له كما يدخل على المجحود الذي أقره به .

32413 - وقال الشافعي : لا يلزمه من جهة القضاء أن يعطيه شيئا ; لأنه أقر له بشيء لا يستحقه إلا من جهة النسب ، ولا يستحقه إلا بإقرار أخيه وحده إذا كان ، ثم من الورثة من يدفعه ، فإذا لم يثبت نسبه بإقرار أخيه وحده لم يستحق شيئا [ ص: 198 ] من الميراث ، وهذا أصح ما فيه عندنا ، وإن شاء المقر أن يعطيه شيئا أعطاه .

32414 - وقول الليث بن سعد كقول الشافعي .

32415 - واتفقوا أن نسب الأخ المقر به يثبت لو أقر له الابنان جميعا ، وكذلك إذا أقر به جميع الورثة .

32416 - واختلفوا إذا جحده بعض الورثة ، وأقر به بعضهم :

32417 - فالجمهور على أنه لا يثبت نسبه إلا أن يقر به اثنان ، فصاعدا .

32418 - وقد روي عن الشافعي خلاف ما تقدم ذكره في الابن الواحد يقر به الأخ إذا لم يكن هناك وارث غيره أنه يلحق نسبه ، والمشهور عنه ما تقدم ذكره .

32419 - وأما إقرار الوارث بدين إذا أنكر سائر الورثة ; فالذي عليه مالك ، وأصحابه ، والمعروف من مذهبهم في الحجاز ، والعراق ، ومصر أنه لا يلزم المقر من الدين إلا مقدار ما يصيبه في حصته إذا كانت ابنة لا وارث له غيرها فالنصف ، وإن كانت أما ، فالثلث ، وإن كانت زوجا فالربع ، أو الثمن ، وإن كان أخا لأم فالسدس .

32420 - على هذا جماعتهم أن الإقرار بالدين كالإقرار بالولد وكالإقرار بالوصية .

32421 - إلا ما ذكره ابن حبيب ، فإنه قال أصحاب مالك كلهم يرون هذا القول من مالك وهما ; لأنه لا ميراث لوارث إلا بعد قضاء الدين .

32422 - قال أبو عمر : بل أصحاب مالك كلهم على ما رواه مالك ، [ ص: 199 ] والمتأخرون منهم ينكرون على ابن حبيب قوله هذا .

32423 - وكان أبو عمر ; أحمد بن عبد الملك بن هاشم شيخنا - رحمه الله - ينكر على ابن حبيب كل الإنكار ، ينكر ويقول : لا أعرف ما حكاه ابن حبيب عن أحد من أصحاب مالك .

32424 - وقال أحمد بن حنبل كما قال مالك : لا يلزم المقر بالدين من الورثة إلا بمقدار ميراثه .

32425 - وقالت طائفة من الكوفيين وغيرهم : يلزم المقر بالدين أداء الدين كله من حصته ; لأنه لا يحل له أن يرث ، وعلى أبيه دين ، وجعلوا الجاحد كالغاصب ببعض مال الميت .

32426 - وقد أجمعوا أنه يؤدي الدين مما بقي بعد الغصب إذا لم يقدر على الغاصب والسارق .

32427 - وكذلك أجمعوا أنه لو كان وارثا واحدا ، وأقر لزمه الدين كله الذي أقر به ولم يرث إلا ما فضل عن الدين .

32428 - وروي ذلك عن عبد الملك بن الماجشون .

32429 - قال أبو عمر : وجه قول مالك ومن تابعه على ذلك أن إقرار المقرين على أنفسهم بمنزلة البينة ثبتت عليهم بما أقروا به ، ولو شهدت البينة بالدين لم يلزم المشهود عليه إلا مقدار حصته من الميراث .

[ ص: 200 ] 32430 - وكذلك لو أقر بوصية ، أو شهدت بذلك البينة .

32431 - ويدل على صحة قول مالك أيضا أنهم قد أجمعوا أنه لو شهد رجلان من الورثة على الميت بالدين قبلت شهادتهما ، وكان على كل وارث بمقدار ميراثه .

32432 - وقال الكوفيون : لو كانا غير عدلين لزمهما الدين كله في حصتيهما ، ولم يلزم سائر الورثة شيء ، فكيف يقبلون شهادة من إذا ثبتت شهادته كان بها جارا إلى نفسه ، أو دافعا عنها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث