الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " وآت ذا القربى حقه والمسكين "

القول في تأويل قوله تعالى : ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ( 26 ) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ( 27 ) )

اختلف أهل التأويل في المعني بقوله ( وآت ذا القربى ) فقال بعضهم : عنى به : قرابة الميت من قبل أبيه وأمه . أمر الله جل ثناؤه عباده بصلتها .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، قال : ثنا حبيب المعلم ، قال : سأل رجل الحسن ، قال : أعطي قرابتي زكاة مالي فقال : إن لهم في ذلك لحقا سوى الزكاة ، ثم تلا هذه الآية ( وآت ذا القربى حقه ) .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله ( وآت ذا القربى حقه ) قال : صلته التي تريد أن تصله بها ، ما كنت تريد أن تفعله إليه .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) قال : هو أن تصل ذا القرابة والمسكين وتحسن إلى ابن السبيل .

وقال آخرون : بل عنى به قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا إسماعيل بن أبان ، قال : ثنا الصباح بن يحيى المزني ، عن السدي ، عن أبي الديلم ، قال : قال علي بن الحسين عليهما السلام لرجل من أهل الشام : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : أفما قرأت في بني إسرائيل ( وآت ذا القربى حقه ) قال : وإنكم للقرابة التي أمر الله جل ثناؤه أن يؤتى حقه ، قال : نعم . [ ص: 427 ]

وأولى التأويلين عندي بالصواب ، تأويل من تأول ذلك أنها بمعنى وصية الله عباده بصلة قرابات أنفسهم وأرحامهم من قبل آبائهم وأمهاتهم ، وذلك أن الله عز وجل عقب ذلك عقيب حضه عباده على بر الآباء والأمهات ، فالواجب أن يكون ذلك حضا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يجر لها ذكر ، وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : وأعط يا محمد ذا قرابتك حقه من صلتك إياه ، وبرك به ، والعطف عليه ، وخرج ذلك مخرج الخطاب لنبي الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بحكمه جميع من لزمته فرائض الله ، يدل على ذلك ابتداؤه الوصية بقوله جل ثناؤه ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما ) فوجه الخطاب بقوله ( وقضى ربك ) إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ( ألا تعبدوا إلا إياه ) فرجع بالخطاب به إلى الجميع ، ثم صرف الخطاب بقوله ( إما يبلغن عندك ) إلى إفراده به . والمعني بكل ذلك جميع من لزمته فرائض الله عز وجل ، أفرد بالخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده ، أو عم به هو وجميع أمته .

وقوله ( والمسكين ) وهو الذلة من أهل الحاجة . وقد دللنا فيما مضى على معنى المسكين بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله ( وابن السبيل ) يعني : المسافر المنقطع به ، يقول تعالى : ??عد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله ( ولا تبذر تبذيرا ) قال : المبذر : المنفق في غير حقه .

حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عباد ، عن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : المبذر : المنفق في غير حقه .

حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قال : لا تنفق في الباطل ، فإن المبذر : هو المسرف في غير حق .

قال
ابن جريج وقال مجاهد : لو أنفق إنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا ، ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا .

حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ولا تبذر تبذيرا ) قال : التبذير : النفقة في معصية الله ، وفي غير الحق وفي الفساد .

حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) قال : بدأ بالوالدين قبل هذا ، فلما فرغ من الوالدين وحقهما ، ذكر هؤلاء وقال ( لا تبذر تبذيرا ) : لا تعط في معاصي الله . [ ص: 430 ]

وأما قوله ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ) فإنه يعني : إن المفرقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء الشياطين ، وكذلك تقول العرب لكل ملازم سنة قوم وتابع أثرهم : هو أخوهم ( وكان الشيطان لربه كفورا ) يقول : وكان الشيطان لنعمة ربه التي أنعمها عليه جحودا لا يشكره عليه ، ولكنه يكفرها بترك طاعة الله ، وركوبه معصيته ، فكذلك إخوانه من بني آدم المبذرون أموالهم في معاصي الله ، لا يشكرون الله على نعمه عليهم ، ولكنهم يخالفون أمره ويعصونه ، ويستنون فيما أنعم الله عليهم به من الأموال التي خولهموها عز وجل سنته من ترك الشكر عليها ، وتلقيها بالكفران .

كالذي حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( إن المبذرين ) : إن المنفقين في معاصي الله ( كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث