الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقدمة المؤلف الشيخ محمد جمال الدين القاسمي

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

[ ص: 8 ] [ ص: 9 ] مقدمة المؤلف

الشيخ محمد جمال الدين القاسمي

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك يا ذا الجلال والإكرام على ما أكملت لنا من دين الإسلام ، ونصلي ونسلم على نبي الهدى والرحمة ، المبعوث بالكتاب والحكمة ، خاتم النبيين وإمام المرشدين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين .

أما بعد : فإن موعظة العامة والتصدي لإرشادهم في الدروس العامة من الأمور المهمة المنوطة بخاصة الأمة ، إذ هم أمناء الشرع ونور سراجه ، ومصابيح علومه وحفاظ سياجه . وكان السلف يملون مما وقر في صدورهم ما يرونه أمس بحالهم وزمنهم ومكانهم ، ولما امتد الفتوح في الإسلام ابتدئ بجمع الهدي النبوي للأنام ، ثم اتسع العمران وعظمت الحضارة ، فأخذ ينمو التفريع والتخريج والانبساط في الفنون على نسبتها في الغزاة ، واستبحرت في فنون العلم الأسفار ، ودبت لمقتطفه مباحثه الكبار ، وصار المعول في بثه عليها ، والملجأ في تعرف حقائقه عليها ، وتنوعت في كل فن مصنفاته ، وزخرت من كل بحث مؤلفاته ، حتى حار طالبه في انتقاء الأحسن ، واستوقف كثرتها نظره في تخير الأتقن ، وأصبح التبصر في أجودها عنوان الذكاء ، والوقوف على أنفعها آية النباهة والارتقاء . ولما كانت عظة العوام بإيقافهم على جواهر دين الإسلام ، وإعلامهم محاسن الدين وواجباته ، ونوافله ومحظوراته ، وما يأمر به من الأخلاق الكريمة ، ويزجر عنه من المساوئ الذميمة ، ليرتقوا إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم ، فيفوزوا بما في الاعتصام به سعادتهم وفلاحهم من أوجب الواجبات وآكد المفروضات ، لما أخذ الله على العلماء من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيقف المدعوون على شرائعه تعالى فيما أمر وزجر ، ووعد وأوعد وبشر وأنذر ، فلزم الداعي إلى الله تعالى أن يجتهد بفطنته لما يعينه في دعوته ، فينتخب من المدونات أنفعها ، وينتقي من لباب لبابها أرفعها ، إذ كثير مما اعتيد في المحافل تدريسه ، لم يكن على بناء إفادة العامة تأسيسه ، ولا برهان بعد عيان .

[ ص: 10 ] موضوع ذكرى العامة موضوع جليل ، لا يصلح له إلا كل حكيم نبيل . أتدري من المذكر أو الواعظ أو المرشد ؟ هو إنسان حافظ لحدود الله ، قائم على إرشاد العقول ، وتهذيب النفوس ، وتثقيف الأذهان ، وتنوير المدارك وتصحيح المعتقدات وإبانة سر العبادات ، وإماطة ما غشي الأفهام القاصرة من غياهب الجهالة وتراث الضلالة .

المذكر وارث محمدي ، واقف على مقاصد التشريع وحكمته ، عالم مواضع الخلاف والوفاق ، سائس لسامعيه بما يلائمهم من الأحكام . لا يصعد بهم قمم الشدة والتعسير ، ولا يهبط بهم إلى حضيض الترخيص غلوا في التيسير ، بل يسير بهم على جادة الحق وسواء الطريق .

المذكر ينشر العلم النافع بين الناس ، ويحثهم على العمل به ، ويخاطبهم على قدر عقولهم ، ويتنزل لإرشادهم إلى لغتهم ، يعاشر بالنصح ، ويخالطهم لتأليف قلوبهم .

المذكر هو العامل الأكبر في إخراج الناس من ظلمات الجهالة إلى نور العلم ، وتحريرهم من رق الخرافات والوهم . وهو كالسراج فإذا لم ينتفع بضوئه فلا فائدة في وجوده ، وحق ما قيل " لا يكون العالم عالما حتى يظهر أثر علمه في قومه " إذ ليس مسؤولا عن نفسه وحدها ، بل عنها وعن عشيرته وأمته ، فمن الواجب عليه أن يعلم ويعظ ويبلغ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعلى الجملة فالمذكر لا بد أن يكون كاملا في تعليمه ، كاملا في إرشاده ، كاملا في أخلاقه .

وغير خاف أن مذكر العامة على قوة ملكته وسعة مداركه ، يضطر إلى مادة تعينه على ذكراه ، وتمد ذاكرته إذا أم مبتغاه . ولكن أين تلك المادة الممدة ؟ فإني لم أر بين المصنفات على كثرتها ما ألف لذكرى العامة مستوفيا للشروط التامة ، بأن يفقهوا معناه ، ويدركوا منطوقه ومغزاه ، ويكون وافيا بحاجياتهم آتيا على جميع كمالياتهم ، مجردا عن دقائق المسائل قريب الأخذ للمتناول ; فيستعين به المذكر ، ويهتدي به المستبصر . ولم أزل أترقب من نفحات التوفيق ما يهدئ البال ، إلى أن رأيت بعد ما لونت في عام التدريس كل كتاب نفيس الأعوام الطوال أن من أنفع ما يقتبس منه عظة المؤمنين مواضيع تنتخب من ( إحياء علوم الدين ) للعلامة الإمام حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي - عليه الرحمة والرضوان - . ثم اتفق أن تذاكرت مع إمام حكيم واستطلعت رأيه الصائب في هذا المرام ، فقال متأسفا : " إن هذا الموضوع لم يصنف فيه إلا أن أحسن ما لدينا لذلك هو الإحياء بعد تجريده " فعددت ذلك من بدائع الموافقات . وأتذكر الآن أن أحد الأعلام في دمشق أشار على من استشاره من المدرسين بالإحياء ، فأخذ المدرس في قراءته بالحرف ، عملا بالأمر [ ص: 11 ] الصرف ، ثم شكا له ضيق صدره من مباحث لا تفقهها العوام ، ولا ينتفع بها إلا خاصة الأنام ، فأجابه بأن أمره كان لفصول تنتخب منه ، وقد تحققت بذلك كمال حذقه - رحمه الله ورضي عنه - ، لذلك عزمت سنة ( 1323 ) على اختصاره في جزأين موجزين على الشريطة السالفة ، أساير فيهما ترتيب أصله بلا مخالفة ، والمأمول أن تحظى بالغاية المتوخاة والضالة المنشودة ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث