الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( ولا بد ) أي لا فراق ( لمن طلب علما ) أي حاول أن يعرفه من ثلاثة أمور أحدها ( أن يتصوره بوجه ما ) أي بوجه من الإجمال ; لأن طلب الإنسان ما لا يتصوره محال ببديهة العقل ، وطلب ما يعرفه من جهة تفصيله محال أيضا ; لأنه تحصيل الحاصل . ( و ) الأمر الثاني : أن ( يعرف غايته ) لئلا يكون سعيه في طلبه عابثا . ( و ) الأمر الثالث : أن يعرف ( مادته ) أي ما يستمد ذلك العلم منه ; ليرجع في جزئياته إلى محلها .

وأصل هذه القاعدة : أن كل معدوم يتوقف وجوده على أربع علل : " صورية " وهي التي تقوم بها صورته . فتصور المركب متوقف على تصور أركانه .

وانتظامها على الوجه المقصود " وغائية " وهي الباعثة على إيجاده . وهي الأولى في الفكر ، وإن كانت آخرا في الوجود الخارجي . ولهذا يقال : مبدأ العلم منتهى العمل . " ومادية " وهي التي تستمد منها المركبات ، أو ما في حكمها " وفاعلية " وهي المؤثرة في إيجاد ذلك . ثم اعلم أن لفظ " أصول الفقه " مركب من مضاف ومضاف إليه ، ثم صار لكثرة الاستعمال في عرف الأصوليين والفقهاء له معنى آخر ، وهو العلمية . فينبغي تعريفه من حيث معناه الإضافي ، وتعريفه من حيث كونه علما . فبعض المصنفين بدأ بتعريف كونه مركبا ، وبعضهم بدأ بتعريف كونه مضافا ، كما في المتن .

إذا علمت ذلك ( فأصول : جمع أصل ، وهو ) أي الأصل ( لغة ) أي في اللغة ( ما يبنى عليه ) أي على الأصل ( غيره ) قاله الأكثر . وقيل : أصل الشيء ما منه الشيء . وقيل : ما يتفرع عليه غيره . وقيل : منشأ الشيء . وقيل : ما يستند تحقق الشيء إليه ( و ) الأصل ( اصطلاحا ) أي في اصطلاح العلماء ( ما له فرع ) لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل ( ويطلق ) الأصل على أربعة أشياء الأول ( على الدليل غالبا ) أي في الغالب ، كقولهم أصل هذه المسألة : الكتاب والسنة . أي دليلها ( و ) هذا الإطلاق ( هو المراد هنا ) [ ص: 11 ] أي في علم الأصول ( و ) الإطلاق الثاني ( على الرجحان ) أي على الراجح من الأمرين . كقولهم : الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز . والأصل براءة الذمة ، والأصل بقاء ما كان على ما كان ( و ) الإطلاق الثالث على ( القاعدة المستمرة ) كقولهم أكل الميتة على خلاف الأصل ، أي على خلاف الحالة المستمرة ( و ) الإطلاق الرابع على ( المقيس عليه ) ، وهو ما يقابل الفرع في باب القياس ( والفقه لغة ) أي في اللغة : ( الفهم ) عند الأكثر ; لأن العلم يكون عنه . قال الله تعالى ( { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } ) ( وهو ) أي الفهم ( إدراك معنى الكلام ) لجودة الذهن من جهة تهيئه لاقتباس ما يرد عليه من المطالب ، والذهن : قوة النفس المستعدة لاكتساب العلوم والآراء . وقيل : إن الفقه هو العلم . وقيل : معرفة قصد المتكلم . وقيل : فهم ما يدق . وقيل : استخراج الغوامض والاطلاع عليها . ( و ) الفقه ( شرعا ) أي في اصطلاح فقهاء الشرع ( معرفة الأحكام الشرعية ) دون العقلية ( الفرعية ) لا الأصولية ، ومعرفتها إما ( بالفعل ) أي بالاستدلال ( أو ) ب ( القوة القريبة ) من الفعل ، أي بالتهيؤ لمعرفتها بالاستدلال . وهذا الحد لأكثر أصحابنا المتقدمين .

وقيل : هو العلم بأفعال المكلفين الشرعية دون العقلية ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة . وقيل : هو العلم بالأحكام الشرعية . وقيل : معرفة الأحكام الشرعية .

وقيل : معرفة كثير من الأحكام عرفا . وقيل : معرفة أحكام جمل كثيرة عرفا من مسائل الفروع العلمية من أدلتها الحاصلة بها . وقيل : العلم بها عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال . وكل هذه الحدود لا تخلو عن مؤاخذات وأجوبة ، يطول الكتاب بذكرها من غير طائل .

ثم الحكم الشرعي الفرعي : هو الذي لا يتعلق بالخطإ في اعتقاد مقتضاه ، ولا في العمل به قدح في الدين ، ولا وعيد في الآخرة ، كالنية في الوضوء والنكاح بلا ولي ونحوهما .

( والفقيه ) في اصطلاح أهل الشرع ( من عرف جملة غالبة ) أي كثيرة [ ص: 12 ] ( منها ) أي من الأحكام الشرعية الفرعية ( كذلك ) أي بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ، وهي التهيؤ لمعرفتها عن أدلتها التفصيلية . فلا يطلق الفقيه على من عرفها على غير هذه الصفة ، كما لا يطلق الفقيه على محدث ولا مفسر ، ولا متكلم ولا نحوي ونحوهم . وقيل : الفقيه من له أهلية تامة يعرف الحكم بها إذا شاء مع معرفته جملا كثيرة من الأحكام الفرعية ، وحضورها عنده بأدلتها الخاصة والعامة فخرج بقيد " الأحكام " الذوات والصفات والأفعال ، والحكم هو النسبة بين الأفعال والذوات ; إذ كل معلوم إما ألا يكون محتاجا إلى محل يقوم به ، فهو الجوهر ، كجميع الأجسام . وإما أن يكون محتاجا . فإن كان سببا للتأثير في غيره ، فهو الفعل ، كالضرب مثلا ، وإن لم يكن سببا . فإن كان لنسبة بين الأفعال والذوات ، فهو الحكم ، وإلا فهو الصفة ، كالحمرة والسواد .

وخرج بقيد " الفعل " الذي هو الاستدلال : علم الله سبحانه وتعالى ورسله فيما ليس عن اجتهادهم صلى الله عليهم وسلم ; لجواز اجتهادهم ، على ما يأتي في باب الاجتهاد .

وخرج بقيد " الفرعية " الأدلة الأصولية الإجمالية ، المستعملة في فن الخلاف ، نحو : ثبت الحكم بالمقتضى ، وانتفى بوجود النافي . فإن هذه قواعد كلية إجمالية تستعمل في غالب الأحكام ; إذ يقال مثلا : وجوب النية في الطهارة حكم ثبت

بالمقتضى ، وهو تمييز العبادة عن العادة ، ويقول الحنفي : عدم وجوبها ، والاقتصار على مسنونيتها : حكم ثبت بالمقتضي . وهو أن الوضوء مفتاح الصلاة . وذلك متحقق بدون النية . ونحو ذلك .

واعلم أن المطلوب في فن الخلاف : إما إثبات الحكم ، فهو بالدليل المثبت ، أو نفيه فهو بالدليل النافي . أو بانتفاء الدليل المثبت ، أو بوجود المانع ، أو بانتفاء الشرط . فهذه أربع قواعد ضابطة لمجاري الكلام على تعدد جريانها وكثرة مسائلها .

وخرج بقيد " الأدلة التفصيلية " علم المقلد ; لأن معرفته ببعض الأحكام [ ص: 13 ] ليست عن دليل أصلا ، لا إجمالي ولا تفصيلي .

ولما فرغ من الكلام على تعريف أصول الفقه من حيث معناه . الإضافي : شرع في تعريفه من حيث كونه علما ، فقال : ( وأصول الفقه علما ) أي : من حيث كونها صارت لقبا لهذا العلم ( القواعد التي يتوصل ) أي يقصد الوصول ( بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية ) وقيل : مجموع طرق الفقه إجمالا ، وكيفية الاستفادة منها ، وحال المستفيد . وقيل : معرفة دلائل الفقه إجمالا ، وكيفية الاستفادة منها ، وحال المستفيد . وقيل : ما تبنى عليه مسائل الفقه ، وتعلم أحكامها به . وقيل : هي أدلته الكلية التي تفيده بالنظر على وجه كلي .

إذا علمت ذلك . فالقواعد : جمع قاعدة . وهي هنا عبارة عن صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها . ولذلك لم يحتج إلى تقييدها بالكلية ; لأنها لا تكون إلا كذلك . وذلك كقولنا : حقوق العقد تتعلق بالموكل دون الوكيل . وكقولنا : الحيل في الشرع باطلة . فكل واحدة من هاتين القضيتين يتعرف بالنظر فيها قضايا متعددة . فمما يتعرف بالنظر في القضية الأولى : أن عهدة المشتري على الموكل دون الوكيل ، وأن من حلف لا يفعل شيئا ، فوكل من فعله : حنث . وأنه لو وكل مسلم ذميا في شراء خمر أو خنزير : لم يصح . ومما يتعرف بالنظر في القضية الثانية : عدم صحة نكاح المحلل ، وبيع العينة ، وعدم سقوط الشفعة بالحيلة على إبطالها ، وعدم حل الخمر بتخليلها علاجا . وكذا قولنا - وهو المراد هنا - الأمر للوجوب والفور ونحو ذلك .

واحترز بقوله " إلى استنباط الأحكام " عن القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط غير الأحكام ، من الصنائع والعلم بالهيئات والصفات .

وبالشرعية عن الاصطلاحية والعقلية . كقواعد علم الحساب والهندسة ، وبالفرعية عن الأحكام التي تكون من جنس الأصول ، كمعرفة وجوب [ ص: 14 ] التوحيد من أمره تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ( { فاعلم أنه لا إله إلا الله } ) .

( والأصولي ) في عرف أهل هذا الفن : ( من عرفها ) أي عرف القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية . لأنه منسوب إلى الأصول كنسبة الأنصاري إلى الأنصار ونحوه ، ولا تصح النسبة إلا مع قيام معرفته بها وإتقانه لها ، كما أن من أتقن الفقه يسمى فقيها ، ومن أتقن الطب يسمى طبيبا ونحو ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث