الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع الرابع جمع الوجوه والنظائر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 190 ] النوع الرابع

جمع الوجوه والنظائر

وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان ، وجمع فيه من المتأخرين : ابن الزاغوني وأبو الفرج ابن الجوزي والدامغاني الواعظ ، [ ص: 191 ] وأبو الحسين بن فارس ، وسمي كتابه : " الأفراد " .

[ ص: 192 ] [ ص: 193 ] فالوجوه : اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان ، كلفظ الأمة ، والنظائر كالألفاظ المتواطئة .

وقيل : النظائر في اللفظ ، والوجوه في المعاني ، وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة ، وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه واحد في مواضع كثيرة ، فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام ، والنظائر نوعا آخر ، كالأمثال .

وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن ، حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجها أو أكثر أو أقل ، ولا يوجد ذلك في كلام البشر .

وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثا مرفوعا : " لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة " .

فمنه " الهدى " سبعة عشر حرفا :

[ ص: 194 ] بمعنى البيان ، كقوله تعالى : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) ( البقرة : 5 ) .

وبمعنى الدين : ( إن الهدى هدى الله ) ( آل عمران : 73 ) .

وبمعنى الإيمان : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) ( مريم : 76 ) .

وبمعنى الداعي : ( ولكل قوم هاد ) ( الرعد : 7 ) ، ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) ( الأنبياء : 73 ) .

وبمعنى الرسل والكتب : ( فإما يأتينكم مني هدى ) ( البقرة : 38 ) .

وبمعنى المعرفة : ( وبالنجم هم يهتدون ) ( النحل : 16 ) .

وبمعنى الرشاد : ( اهدنا الصراط المستقيم ) ( الفاتحة : 6 ) .

وبمعنى محمد صلى الله عليه وسلم : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) ( البقرة : 159 ) ، ( من بعد ما تبين لهم الهدى ) ( محمد : 32 ) .

وبمعنى القرآن : ( ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) ( النجم : 23 ) .

وبمعنى التوراة : ( ولقد آتينا موسى الهدى ) ( غافر : 53 ) .

وبمعنى الاسترجاع : ( وأولئك هم المهتدون ) ( البقرة : 157 ) ونظيرها في التغابن : ( ومن يؤمن بالله ) ( الآية : 11 ) أي في المصيبة أنها من عند الله ، ( يهد قلبه ) ( التغابن : 11 ) للاسترجاع .

وبمعنى الحجة : ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) ( البقرة : 258 ) بعد قوله : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) ( البقرة : 258 ) أي لا يهديهم إلى الحجة .

وبمعنى التوحيد : ( إن نتبع الهدى معك ) ( القصص : 57 ) .

وبمعنى السنة : ( وإنا على آثارهم مهتدون ) ( الزخرف : 22 ) .

وبمعنى الإصلاح : ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) ( يوسف : 52 ) .

وبمعنى الإلهام : ( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) ( طه : 50 ) هدى كلا في معيشته .

[ ص: 195 ] وبمعنى التوبة : ( إنا هدنا إليك ) ( الأعراف : 156 ) أي تبنا .

وهذا كثير الأنواع .

وقال ابن فارس في كتاب " الأفراد " : كل ما في كتاب الله من ذكر الأسف فمعناه الحزن ؛ كقوله تعالى في قصة يعقوب - عليه السلام - : ( ياأسفى على يوسف ) ( يوسف : 84 ) إلا قوله تعالى : ( فلما آسفونا ) ( الزخرف : 55 ) ، فإن معناه أغضبونا ، وأما قوله في قصة موسى - عليه السلام - : ( غضبان أسفا ) ( الأعراف : 150 وطه : 86 ) فقال ابن عباس : " مغتاظا " .

وكل ما في القرآن من ذكر البروج فإنها الكواكب ، كقوله تعالى : ( والسماء ذات البروج ) ( البروج : 1 ) إلا التي في سورة النساء : ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) ( 78 ) ، فإنها القصور الطوال المرتفعة الحصينة .

وما في القرآن من ذكر البر والبحر ، فإنه يراد بالبحر الماء وبالبر التراب اليابس غير واحد في سورة الروم : ( ظهر الفساد في البر والبحر ) ( الآية : 41 ) ، فإنه بمعنى البرية والعمران . وقال بعض علمائنا : ( في البر ) قتل ابن آدم أخاه ، وفي البحر أخذ الملك كل سفينة غصبا .

و " البخس " في القرآن النقص ، مثل قوله تعالى : ( فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) ( الجن : 13 ) إلا حرفا واحدا في سورة يوسف : ( وشروه بثمن بخس ) ( الآية : 20 ) ، فإن أهل التفسير قالوا : بخس : حرام .

وما في القرآن من ذكر " البعل " فهو الزوج كقوله تعالى : ( وبعولتهن أحق بردهن ) ( البقرة : 228 ) إلا حرفا واحدا في الصافات : ( أتدعون بعلا ) ( الآية : 125 ) ، فإنه أراد صنما .

وما في القرآن من ذكر " البكم " فهو الخرس عن الكلام بالإيمان ; كقوله : ( صم بكم ) ( البقرة : 18 ) [ ص: 196 ] إنما أراد ( بكم ) عن النطق والتوحيد مع صحة ألسنتهم إلا حرفين : أحدهما في سورة بني إسرائيل : ( عميا وبكما وصما ) ( الإسراء : 97 ) والثاني في سورة النحل : قوله - عز وجل - : ( أحدهما أبكم ) ( الآية : 76 ) فإنهما في هذين الموضعين : اللذان لا يقدران على الكلام .

وكل شيء في القرآن : جثيا فمعناه " جميعا " إلا التي في سورة الشريعة : ( وترى كل أمة جاثية ) ( الجاثية : 28 ) ، فإنه أراد تجثو على ركبتيها .

وكل حرف في القرآن " حسبان " فهو من العدد ، غير حرف في سورة الكهف : ( حسبانا من السماء ) ( 40 ) ، فإنه بمعنى العذاب .

وكل ما في القرآن " حسرة " فهو الندامة ; كقوله - عز وجل - : ( ياحسرة على العباد ) ( يس : 30 ) إلا التي في سورة آل عمران : ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) ( الآية : 156 ) ، فإنه يعني به " حزنا " .

وكل شيء في القرآن : " الدحض " و " الداحض " فمعناه الباطل ; كقوله - عز وجل - : ( حجتهم داحضة ) ( الشورى : 16 ) إلا التي في سورة الصافات : ( فكان من المدحضين ) ( الآية : 141 ) ، فإنه أراد من المقروعين .

وكل حرف في القرآن من " رجز " فهو العذاب كقوله تعالى في قصة بني إسرائيل : ( لئن كشفت عنا الرجز ) ( الأعراف : 134 ) إلا في سورة المدثر : ( والرجز فاهجر ) ( الآية : 5 ) ، فإنه يعني الصنم ، فاجتنبوا عبادته .

وكل شيء في القرآن من " ريب " فهو شك غير حرف واحد وهو قوله تعالى : ( نتربص به ريب المنون ) ( الطور : 30 ) ، فإنه يعني حوادث الدهر .

وكل شيء في القرآن " يرجمنكم " و " يرجموكم " فهو الفتك ، غير التي في سورة مريم - عليها السلام - : ( لأرجمنك ) ( الآية : 46 ) يعني لأشتمنك .

[ ص: 197 ] قلت : وقوله : ( رجما بالغيب ) ( الكهف : 22 ) أي ظنا . والرجم أيضا الطرد واللعن ، ومنه قيل للشيطان : رجيم .

وكل شيء في القرآن من " زور " فهو الكذب ، ويراد به الشرك ، غير التي في المجادلة : ( منكرا من القول وزورا ) ( الآية : 2 ) ، فإنه كذب غير شرك .

وكل شيء في القرآن من " زكاة " فهو المال ، غير التي في سورة مريم - عليها السلام - : ( وحنانا من لدنا وزكاة ) ( الآية : 13 ) ، فإنه يعني تعطفا .

وكل شيء في القرآن من " زاغوا " ولا " تزغ " فإنه من مالوا ، ولا تمل ، غير واحد في سورة الأحزاب : ( وإذ زاغت الأبصار ) ( الآية : 10 ) بمعنى شخصت .

وكل شيء في القرآن من " يسخرون " و " سخرنا " فإنه يراد به الاستهزاء غير التي في سورة الزخرف : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ( الآية : 32 ) ، فإنه أراد عونا وخدما .

وكل " سكينة " في القرآن طمأنينة في القلب ، غير واحد في سورة البقرة : ( فيه سكينة من ربكم ) ( الآية : 248 ) ، فإنه يعني شيئا كرأس الهرة لها جناحان كانت في التابوت .

وكل شيء في القرآن من ذكر " السعير " فهو النار والوقود إلا قوله - عز وجل - : ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) ( القمر : 47 ) ، فإنه العناد .

وكل شيء في القرآن من ذكر " شيطان " فإنه إبليس وجنوده وذريته إلا قوله تعالى في سورة البقرة : ( وإذا خلوا إلى شياطينهم ) ( الآية : 14 ) ، فإنه يريد كهنتهم ، مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأبي ياسر أخيه .

[ ص: 198 ] وكل شهيد في القرآن غير القتلى في الغزو فهم الذين يشهدون على أمور الناس إلا التي في سورة البقرة قوله - عز وجل - : ( وادعوا شهداءكم ) ( الآية : 23 ) ، فإنه يريد شركاءكم .

وكل ما في القرآن من " أصحاب النار " فهم أهل النار إلا قوله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) ( المدثر : 31 ) ، فإنه يريد خزنتها .

وكل " صلاة " في القرآن فهي عبادة ورحمة إلا قوله تعالى : ( وصلوات ومساجد ) ( الحج : 40 ) ، فإنه يريد بيوت عبادتهم .

وكل " صمم " في القرآن فهو عن الاستماع للإيمان ، غير واحد في بني إسرائيل قوله - عز وجل - : ( عميا وبكما وصما ) ( الإسراء : 97 ) معناه لا يسمعون شيئا .

وكل " عذاب " في القرآن فهو التعذيب إلا قوله - عز وجل - : ( وليشهد عذابهما ) ( النور : 2 ) ، فإنه يريد الضرب .

و " القانتون " : المطيعون ، لكن قوله - عز وجل - في البقرة : ( كل له قانتون ) ( الآية : 116 ) معناه " مقرون " ، وكذلك في سورة الروم : ( وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) ( الآية : 26 ) يعني مقرون بالعبودية .

وكل " كنز " في القرآن فهو المال إلا الذي في سورة الكهف : ( وكان تحته كنز لهما ) ( الآية : 82 ) ، فإنه أراد صحفا وعلما .

وكل " مصباح " في القرآن فهو الكوكب إلا الذي في سورة النور : ( المصباح في زجاجة ) ( الآية : 35 ) ، فإنه السراج نفسه .

" النكاح " في القرآن : التزوج ، إلا قوله - جل ثناؤه - : ( حتى إذا بلغوا النكاح ) ( النساء : 6 ) ، فإنه يعني الحلم .

[ ص: 199 ] " النبأ " و " الأنباء " في القرآن : الأخبار ، إلا قوله تعالى : ( فعميت عليهم الأنباء ) ( القصص : 66 ) ، فإنه بمعنى الحجج .

" الورود " في القرآن : الدخول ، إلا في القصص : ( ولما ورد ماء مدين ) ( الآية : 23 ) ، يعني هجم عليه ولم يدخله .

وكل شيء في القرآن من : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ( البقرة : 286 ) يعني عن العمل إلا التي في سورة النساء الصغرى : ( إلا ما آتاها ) ( الطلاق : 7 ) يعني النفقة .

وكل شيء في القرآن من " يأس " فهو القنوط إلا التي في الرعد ( أفلم ييأس الذين آمنوا ) ( الآية : 31 ) ؛ أي : ألم يعلموا . قال ابن فارس : أنشدني أبي ، فارس بن زكريا :

أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم



قال الصاغاني : البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي .

وكل شيء في القرآن من ذكر " الصبر " محمود إلا قوله - عز وجل - : ( لولا أن صبرنا عليها ) ( الفرقان : 42 ) و ( واصبروا على آلهتكم ) ( ص : 6 ) انتهى ما ذكره ابن فارس .

[ ص: 200 ] وزاد غيره : كل شيء في القرآن " لعلكم " فهو بمعنى لكي غير واحد في الشعراء : ( لعلكم تخلدون ) ( الشعراء : 129 ) ، فإنه للتشبيه ; أي كأنكم .

وكل شيء في القرآن " أقسطوا " فهو بمعنى العدل إلا واحدا في سورة الجن : ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ( الآية : 15 ) يعني العادلين ، الذين يعدلون به غيره ؛ هذا باعتبار صورة اللفظ ، وإلا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي .

وكل " كسف " في القرآن يعني جانبا من السماء غير واحد في سورة الروم : ( ويجعله كسفا ) ( الآية : 48 ) يعني السحاب قطعا .

وكل " ماء معين " فالمراد به الماء الجاري غير الذي في سورة تبارك ( الآية : 30 ) فإن المراد به الماء الطاهر الذي تناله الدلاء ، وهي زمزم .

وكل شيء في القرآن " لئلا " فهو بمعنى كيلا غير واحد في الحديد : ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) ( الآية : 29 ) يعني : لكي يعلم .

وكل شيء في القرآن " من الظلمات إلى النور " فهو بمعنى الكفر والإيمان غير واحد في أول الأنعام : ( وجعل الظلمات والنور ) ( الآية : 1 ) يعني ظلمة الليل ونور النهار .

وكل " صوم " في القرآن فهو الصيام المعروف إلا الذي في سورة مريم : ( إني نذرت للرحمن صوما ) ( الآية : 26 ) يعني صمتا .

وذكر أبو عمرو الداني في قوله تعالى : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) ( الأعراف : 163 ) أن المراد بالحضور هنا المشاهدة . قال : وهو بالظاء بمعنى المنع والتحويط ، قال : ولم يأت بهذا المعنى إلا في موضع واحد ، وهو قوله تعالى : ( فكانوا كهشيم المحتظر ) ( القمر : 31 ) .

[ ص: 201 ] قيل : وكل شيء في القرآن : ( وما أدراك ) فقد أخبرنا به ، وما فيه : ( وما يدريك ) فلم يخبرنا به ; حكاه البخاري - رحمه الله - في تفسيره واستدرك بعضهم عليه موضعا ، وهو قوله تعالى : ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) ( الشورى : 17 ) .

وقيل " الإنفاق " حيث وقع القرآن فهو الصدقة ؛ إلا قوله تعالى : ( فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ) ( الممتحنة : 11 ) ، فإن المراد به المهر ، وهي صدقة في الأصل ؛ تصدق الله بها على النساء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث