الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) الاشتقاق : من أشرف علوم العربية وأدقها وأنفعها ، وأكثرها ردا إلى أبوابها ، ألا ترى أن مدار علم التصريف في معرفة الزائد من الأصلي عليه ، حتى قال بعضهم : لو حذفت المصادر ، وارتفع الاشتقاق من كل كلام : لم توجد صفة لموصوف ، ولا فعل لفاعل . وجميع النحاة إذا أرادوا أن يعلموا الزائد من الأصلي في الكلام ، نظروا في الاشتقاق ، وهو افتعال من قولك " اشتققت " كذا من كذا ، أي اقتطعته منه .

ومنه قول الفرزدق

مشتقة من رسول الله نبعته

وحكي في الاشتقاق في اللغة ثلاثة أقوال . أحدها - وهو الصحيح - أن اللفظ ينقسم إلى مشتق وجامد ، وهو قول الخليل وسيبويه ، والأصمعي وأبي عبيد ، وقطرب ، وعليه العمل .

والقول الثاني : أن الألفاظ كلها جامدة موضوعة ، وبه قال نفطويه من الظاهرية . واسمه محمد بن إبراهيم . والقول الثالث : أن الألفاظ كلها مشتقة ، وهو قول الزجاج ، وابن درستويه . [ ص: 65 ] وغيرهما ، حتى قال ابن جني : الاشتقاق يقع في الحروف فإن " نعم " حرف جواب ، والنعم والنعيم والنعماء ونحوها مشتقة منه . وسيأتي في المتن انقسامه إلى أصغر وأكبر وأوسط .

إذا علمت ذلك : فحد الأصغر ( رد لفظ إلى آخر ) فدخل الاسم والفعل ( لموافقته ) أي المردود ( له ) أي للمردود إليه ( في الحروف الأصلية ) سواء كانت موجودة أو مقدرة ، ليدخل الأمر من نحو : الأكل والخوف والوقاية ( و ) لوجود ( مناسبته ) أي مناسبة المشتق للمشتق منه ( في المعنى ) احترازا من مثل اللحم والملح والحلم ، فإن كلا منها يوافق الآخرين في حروفه الأصلية . ومع ذلك فلا اشتقاق بينها ، لانتفاء المناسبة في المعنى لاختلاف مدلولاتها ثم اعلم أن للاشتقاق أربعة أركان . الأول : المشتق . والثاني : المشتق منه .

والثالث : الموافقة في الحروف الأصلية . والرابع : المناسبة في المعنى مع التغيير ، لأنه لو لم يحصل تغيير لم يصدق كون المشتق غير المشتق منه . وهذا هو المراد بقوله ( ولا بد من تغيير ) وهو خمسة عشر نوعا ; لأنه إما بزيادة حرف ، أو حركة .

أو هما معا ، أو نقصان حرف ، أو حركة ، أو هما معا ، أو زيادة حرف ونقصانه ، أو زيادة حركة ونقصانها ، أو زيادة حرف ونقصان حركة . أو زيادة حركة ونقصان حرف ، عكس الذي قبله ، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها ، أو زيادة حركة مع زيادة حرف ونقصانه ، عكس الذي قبله ، أو نقصان حرف مع زيادة حركة ونقصانها ، أو نقصان حركة مع زيادة حرف ونقصانه ، [ أو زيادة حرف وحركة معا مع نقصان حرف وحركة معا ] ، وذلك : لأن التغيير إما تغيير واحد ، أو تغييران ، أو ثلاثة ، أو أربعة .

فالتغيير الواحد : في أربعة أماكن . الأول : زيادة حرف نحو : كاذب من الكذب ، زيدت الألف بعد الكاف ، والثاني : زيادة حركة نحو : نصر ماض .

مأخذه من النصر ، والثالث : نقصان حرف ، كصهل من الصهيل . نقصت الياء والرابع : نقصان الحركة ، كسفر - بسكون الفاء - جمع مسافر ، من سفر . [ ص: 66 ] وأما التغييران : فستة أنواع الأول : زيادة حرف ونقصانه كصاهل من الصهيل ، زيدت الألف ونقص الياء ، الثاني : زيادة الحركة والحرف ، كضارب من الضرب . زيدت الألف وحركت الراء ، الثالث : نقصان الحركة والحرف ، كغلي من الغليان . نقص الألف والنون ونقصت فتحة الياء . الرابع : زيادة الحركة ونقصانها ، نحو : حذر ، اسم فاعل من الحذر - بفتح الذال المعجمة - حذفت فتحة الذال وزيدت كسرتها الخامس : زيادة الحرف ونقصان الحركة ، كعاد - بتشديد الدال - اسم فاعل من العدد ، زيدت الألف ونقصت حركة الدال . السادس : زيادة حركة ونقصان حرف ، كرجع من الرجعى .

وأما التغييرات الثلاثة : ففي أربعة أنواع : الأول : زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها . كموعد من الوعد . زيدت الميم وكسرت العين ونقص منه فتح الواو . الثاني : زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه ، كمكمل اسم فاعل أو مفعول من الكمال ، زيدت فيه الميم وضمتها ، ونقصت الألف ، الثالث : نقصان حرف مع زيادة حركة ونقصانها ، كقنط . اسم فاعل من القنوط .

الرابع : نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه ككال - بتشديد اللام - اسم فاعل من الكلال ، نقصت حركة اللام الأولى للإدغام . ونقصت الألف التي بين اللامين وزيدت الألف قبل اللامين .

وأما التغييرات الأربعة : ففي موضع واحد ، وهو زيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا ، ككامل من الكمال ، ومثلوه أيضا ب " ارم " - أمر - من الرمي ، والله أعلم .

ثم التغيير تارة يكون ظاهرا - كما تقدم - وتارة يكون مقدرا ، وهو المشار إليه بقوله ( ولو ) أي ولو كان التغيير ( تقديرا ) وذلك : كفلك وجنب ، مفردا وجمعا ، فإذا أريد الجمع في الفلك يؤنث ، وإذا أريد الواحد يذكر فالواحد منه ، كقوله تعالى ( { إذ أبق إلى الفلك المشحون } ) والجمع كقوله تعالى ( { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم } ) وطلب طلبا ، وهرب هربا وجلب جلبا ونحوها . فالتغيير [ ص: 67 ] حاصل ، ولكنه مقدر فإن سيبويه قدر زوال النون التي في " جنب " حال إطلاقه على المفرد في قولك : رجل جنب ، وقدر الإتيان بغيرها حال إطلاقه على الجمع في قوله تعالى ( { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ) وأن ضمة النون في المفرد غير ضمة النون التي في الجمع . تقديرا ( و ) اللفظ ( المشتق فرع وافق أصلا ) والأصل هنا هو اللفظ المشتق منه الفرع ، وكانت الموافقة ( بحروفه الأصول ومعناه ) فقولنا " بحروفه الأصول " لتخرج الكلمات التي توافق أصلا بمعناه ، دون حروفه كالحبس والمنع . وقولنا " ومعناه " ليحترز به عن مثل الذهب ، فإنه يوافق أصلا . وهو الذهاب في حروفه الأصول ، ولكن غير موافق له في معناه .

إذا علمت ذلك ( ففي ) الاشتقاق ( الأصغر ، وهو المحدود ) يشترط كون المشتق والمشتق منه ( يتفقان في الحروف والترتيب ) . ( كنصر من النصر ) وهذا الذي ينصرف إليه إطلاق الاشتقاق ، من غير قيد ( و ) يشترط ( في ) الاشتقاق ( الأوسط ) كون المشتق والمشتق منه يتفقان ( في الحروف ) دون الترتيب ، كجبذ من الجذب ، فإن الباء مقدمة على الذال في جبذ ، مؤخرة عن الذال في الجذب .

( و ) يكفي ( في ) الاشتقاق ( الأكبر ) أن يتفق المشتق والمشتق منه ( في مخرج حروف الحلق ) ( أو الشفة ، كنعق وثلم من النهيق والثلب ) فصورة اتفاقهما في مخرج حروف الحلق . نعق من النهيق . فإن الهاء والعين من حروف الحلق ، وصورة اتفاقهما في مخرج حروف الشفة ثلم من الثلب ، فإن الميم والباء من حروف الشفة ، والأكثر لم يثبتوا الاشتقاق الأكبر . قال أبو حيان : ولم يقل به من النحاة إلا أبو الفتح .

والصحيح : أنه غير معول عليه لعدم اطراده ( ويطرد ) الاشتقاق فيما هو ( كاسم الفاعل ) كضارب ( ونحوه ) كاسم المفعول كمضروب . والصفة المشبهة ، كالحسن الوجه ، وأفعل التفضيل : كأكبر ، واسم المكان : كملعب ، واسم الزمان : كالموسم ، واسم الآلة : كالميزان ( وقد يختص ) فلا يطرد ( كالقارورة ) فإنها مختصة بالزجاجة ، وإن كانت مأخوذة من القر في الشيء ، ولم يطردوا ذلك إلى كل ما يقر فيه الشيء من خشب أو خزف أو غير ذلك . وكالدبران منزلة للقمر ، وإن كان [ ص: 68 ] من الدبور ، فلا يطلق على كل ما هو موصوف بالدبور ، بل يختص بمجموع خمسة كواكب من الثور ، وهو المنزل الرابع من منازل القمر المعاقب للثريا .

وكذلك العيوق والسماك قاله العضد . وكأن عدم الاطراد ، لكون التسمية لا لهذا المعنى فقط ، بل لمصاحبته له ، وفرق بين تسمية العين لوجود المشتق منه فيه ، وهو الاطرادي ، أو لوجوده فيه . وهو ما لا يطرد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث