الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  فضيلة الزهد وحقيقته

                                                                  قال - تعالى - : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) [ طه : 131 ] وقال - تعالى - : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) [ الشورى : 20 ] وفي حديث " عمر " رضي الله عنه ، أنه لما نزل قوله - تعالى - : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ) [ التوبة : 34 ] قال - صلى الله عليه وسلم - : "تبا للدنيا تبا للدينار والدرهم " فقلنا : " يا رسول الله نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيء ندخر " ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - "ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة صالحة تعينه على أمر آخرته " وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار " والبخل ثمرة الرغبة في الدنيا ، والسخاء ثمرة الزهد ، والثناء على الثمرة ثناء على المثمر لا محالة ، وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " ازهد في الدنيا يحبك الله . وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس " .

                                                                  ثم إن أصناف ما فيه الزهد تكاد تخرج عن الحصر ، وقد ذكر الله - تعالى - في آية واحدة سبعة منها فقال - تعالى - : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ) [ آل عمران : 14 ] ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال عز وجل : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ) [ الحديد : 20 ] ثم رده في موضع آخر إلى اثنين فقال - تعالى - : ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) [ محمد : 36 ] ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال : ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) [ النازعات : 40 و 41 ] فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا فينبغي أن يكون الزهد فيه .

                                                                  [ ص: 298 ] والحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها إلى ما هو خير منها علما بأن المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ .

                                                                  واعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهد وليس كذلك ، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح بالزهد ، بل لا بد من الزهد في حظوظ النفس ، وينبغي أن يعول الزاهد في باطنه على ثلاث علامات :

                                                                  الأولى : أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود كما قال - تعالى - : ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) [ الحديد : 23 ] .

                                                                  الثانية : أن يستوي عنده ذامه ومادحه .

                                                                  الثالثة : أن يكون أنسه بالله - تعالى - والغالب على قلبه حلاوة الطاعة .

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية