الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

كتاب الحج .

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما

[ كتاب الحج ]

والنظر في هذا الكتاب في ثلاثة أجناس :

الجنس الأول : يشتمل على الأشياء التي تجري من هذه العبادة مجرى المقدمات التي تجب معرفتها لعمل هذه العبادة .

الجنس الثاني : في الأشياء التي تجري منها مجرى الأركان ، وهي الأمور المعمولة أنفسها والأشياء المتروكة .

الجنس الثالث : في الأشياء التي تجري منها مجرى الأمور اللاحقة ، وهي أحكام الأفعال .

وذلك أن كل عبادة فإنها توجد مشتملة على هذه الأجناس .

الجنس الأول

[ معرفة الوجوب وشروطه ]

وهذا الجنس يشتمل على شيئين :

1 - على معرفة الوجوب وشروطها .

2 - وعلى من يجب ومتى يجب ؟ .

فأما وجوبه : فلا خلاف فيه لقوله - سبحانه - ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) .

[ ص: 266 ] وأما شروط الوجوب : فإن الشروط قسمان : شروط صحة ، وشروط وجوب .

فأما شروط الصحة : فلا خلاف بينهم أن من شروطه الإسلام ، إذ لا يصح حج من ليس بمسلم . واختلفوا في صحة وقوعه من الصبي : فذهب مالك والشافعي إلى جواز ذلك ، ومنع منه أبو حنيفة .

وسبب الخلاف : معارضة الأثر في ذلك للأصول ، وذلك أن من أجاز ذلك أخذ فيه بحديث ابن عباس المشهور ، وخرجه البخاري ومسلم . وفيه : " أن المرأة رفعت إليه - عليه الصلاة والسلام - صبيا فقالت : ألهذا حج يا رسول الله ؟ قال : نعم ولك أجر " . ومن منع ذلك تمسك بأن الأصل هو أن العبادة لا تصح من غير عاقل .

وكذلك اختلف أصحاب مالك في صحة وقوعها من الطفل الرضيع ، وينبغي أن لا يختلف في صحة وقوعه ممن يصح وقوع الصلاة منه ، وهو كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " من السبع إلى العشر " . وأما شروط الوجوب : فيشترط فيها الإسلام ، على القول بأن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام ، ولا خلاف في اشتراط الاستطاعة في ذلك لقوله - تعالى - : ( من استطاع إليه سبيلا ) وإن كان في تفصيل ذلك اختلاف ، وهي بالجملة تتصور على نوعين : مباشرة ونيابة .

فأما المباشرة فلا خلاف عندهم أن من شرطها الاستطاعة بالبدن والمال مع الأمن . واختلفوا في تفصيل الاستطاعة بالبدن والمال : فقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد - وهو قول ابن عباس وعمر بن الخطاب - : إن من شرط ذلك الزاد والراحلة . وقال مالك : من استطاع المشي فليس وجود الراحلة من شرط الوجوب في حقه بل يجب عليه الحج ، وكذلك ليس الزاد عنده من شرط الاستطاعة إذا كان ممن يمكنه الاكتساب في طريقه ولو بالسؤال .

والسبب في هذا الخلاف معارضة الأثر الوارد في تفسير الاستطاعة لعموم لفظها ، وذلك أنه ورد أثر عنه - عليه الصلاة والسلام - : " أنه سئل ما الاستطاعة فقال : الزاد والراحلة " . فحمل أبو حنيفة والشافعي ذلك على كل مكلف ، وحمله مالك على من لا يستطيع المشي ولا له قوة على الاكتساب في طريقه ، وإنما اعتقد الشافعي هذا الرأي لأن من مذهبه إذا ورد الكتاب مجملا ، فوردت السنة بتفسير ذلك المجمل أنه ليس ينبغي العدول عن ذلك التفسير .

وأما وجوبه باستطاعة النيابة مع العجز عن المباشرة : فعند مالك وأبي حنيفة أنه لا تلزم النيابة إذا استطيعت مع العجز عن المباشرة ، وعن الشافعي أنها تلزم ، فيلزم على مذهبه الذي عنده مال بقدر أن يحج به عنه غيره إذا لم يقدر هو ببدنه أن يحج عنه غيره بماله ، وإن وجد من يحج عنه بماله وبدنه من أخ أو قريب سقط ذلك عنه ، وهي المسألة التي يعرفونها بالمعضوب - وهو الذي لا يثبت على الراحلة .

وكذلك عنده الذي يأتيه الموت ولم يحج يلزم ورثته عنده أن يخرجوا من ماله بما يحج به عنه . وسبب الخلاف في هذا معارضة القياس للأثر ، وذلك أن القياس يقتضي أن العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد ، فإنه لا يصلي أحد عن أحد باتفاق، ولا يزكي أحد عن أحد .

وأما الأثر المعارض لهذا : فحديث ابن عباس المشهور ، خرجه الشيخان ، وفيه : " أن امرأة من خثعم قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ؛ فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال : نعم " وذلك في حجة الوداع . فهذا في الحي .

[ ص: 267 ] وأما في الميت فحديث ابن عباس أيضا خرجه البخاري قال : " جاءت امرأة من جهينة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله إن أمي نذرت الحج فماتت أفأحج عنها ؟ قال : حجي عنها ، أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيته ؟ دين الله أحق بالقضاء " . ولا خلاف بين المسلمين أنه يقع عن الغير تطوعا ، وإنما الخلاف في وقوعه فرضا .

واختلفوا من هذا الباب في الذي يحج عن غيره سواء كان حيا أو ميتا هل من شرطه أن يكون قد حج عن نفسه أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك ليس من شرطه ، وإن كان قد أدى الفرض عن نفسه فذلك أفضل ، وبه قال مالك فيمن يحج عن الميت ، لأن الحج عنده عن الحي لا يقع . وذهب آخرون إلى أن من شرطه أن يكون قد قضى فريضة نفسه ، وبه قال الشافعي وغيره إنه إن حج عن غيره من لم يقض فرض نفسه انقلب إلى فرض نفسه ، وعمدة هؤلاء حديث ابن عباس : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة ، قال : ومن شبرمة ؟ قال : أخ لي ، أو قال قريب لي ، قال : أفحججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة " . والطائفة الأولى عللت هذا الحديث بأنه قد روي موقوفا على ابن عباس .

واختلفوا من هذا الباب في الرجل يؤاجر نفسه في الحج فكره ذلك مالك والشافعي وقالا : إن وقع ذلك جاز ، ولم يجز ذلك أبو حنيفة ، وعمدته أنه قربة إلى الله - عز وجل - فلا تجوز الإجارة عليه ، وعمدة الطائفة الأولى إجماعهم على جواز الإجارة في كتب المصاحف وبناء المساجد ، وهي قربة .

والإجارة في الحج عند مالك نوعان :

أحدهما : الذي يسميه أصحابه على البلاغ ، وهو الذي يؤاجر نفسه على ما يبلغه من الزاد والراحلة ، فإن نقص ما أخذه عن البلاغ وفاه ما يبلغه ، وإن فضل عن ذلك شيء رده .

والثاني : على سنة الإجارة ، وإن نقص شيء وفاه من عنده وإن فضل شيء فله .

والجمهور على أن العبد لا يلزمه الحج حتى يعتق ، وأوجبه عليه بعض أهل الظاهر .

فهذه معرفة على من تجب هذه الفريضة وممن تقع .

وأما متى تجب ؟ : فإنهم اختلفوا هل هي على الفور ، أو على التراخي ؟ والقولان متأولان على مالك وأصحابه ، والظاهر عند المتأخرين من أصحابه أنها على التراخي وبالقول إنها على الفور قال البغداديون من أصحابه . واختلف في ذلك قول أبي حنيفة وأصحابه ، والمختار عندهم أنه على الفور . وقال الشافعي : هو على التوسعة .

وعمدة من قال : هو على التوسعة أن الحج فرض قبل حج النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنين ، فلو كان على الفور لما أخره النبي - عليه الصلاة والسلام - ، ولو أخره لعذر لبينه .

وحجة الفريق الثاني : أنه لما كان مختصا بوقت كان الأصل تأثيم تاركه حتى يذهب الوقت ، أصله وقت الصلاة ، والفرق عند الفريق الثاني بينه وبين الأمر بالصلاة أنه لا يتكرر وجوبه بتكرار الوقت ، والصلاة يتكرر وجوبها بتكرار الوقت .

وبالجملة : فمن شبه أول وقت من أوقات الحج الطارئة على المكلف المستطيع بأول الوقت من الصلاة [ ص: 268 ] قال : هو على التراخي ، ومن شبهه بآخر الوقت من الصلاة قال : هو على الفور ، ووجه شبهه بآخر الوقت أنه ينقضي بدخول وقت لا يجوز فيه فعله كما ينقضي وقت الصلاة بدخول وقت ليس يكون فيه المصلي مؤديا ، ويحتج هؤلاء بالغرر الذي يلحق المكلف بتأخيره إلى عام آخر بما يغلب على الظن من إمكان وقوع الموت في مدة العام ، ويرون أنه بخلاف تأخير الصلاة من أول الوقت إلى آخره ، لأن الغالب أنه لا يموت أحد في مقدار ذلك الزمان إلا نادرا ، وربما قالوا : إن التأخير في الصلاة يكون مع مصاحبة الوقت الذي يؤدي فيه الصلاة ، والتأخير هاهنا يكون مع دخول وقت لا تصح فيه العبادة ، فهو ليس يشبهه في هذا الأمر المطلق ، وذلك أن الأمر عند من يقول : إنه على التراخي ، ليس يؤدي التراخي فيه إلى دخول وقت لا يصح فيه وقوع المأمور فيه كما يؤدي التراخي في الحج إذا دخل وقته فأخره المكلف إلى قابل ، فليس الاختلاف في هذه المسألة من باب اختلافهم في مطلق الأمر هل هو على الفور أو على التراخي ؟ كما قد يظن .

واختلفوا من هذا الباب ؛ هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو ذو محرم منها يطاوعها على الخروج معها إلى السفر للحج ؟ فقال مالك والشافعي : ليس من شرط الوجوب ذلك ، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة . وقال أبو حنيفة وجماعة : وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب .

وسبب الخلاف : معارضة الأمر بالحج والسفر إليه للنهي عن سفر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم . وذلك أنه ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر أنه قال - عليه الصلاة والسلام - : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم " . فمن غلب عموم الأمر قال : تسافر للحج وإن لم يكن معها ذو محرم ، ومن خصص العموم بهذا الحديث أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة قال : لا تسافر للحج إلا مع ذي محرم .

فقد قلنا في وجوب هذا النسك الذي هو الحج ، وبأي شيء يجب ، وعلى من يجب ، ومتى يجب ؟ .

وقد بقي من هذا الباب القول في حكم النسك الذي هو العمرة ، فإن قوما قالوا : إنه واجب ، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد والثوري والأوزاعي ، وهو قول ابن عباس من الصحابة وابن عمر وجماعة من التابعين . وقال مالك وجماعة : هي سنة . وقال أبو حنيفة : هي تطوع ، وبه قال أبو ثور وداود ، فمن أوجبها احتج بقوله - تعالى - : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وبآثار مروية ، منها : ما روي عن ابن عمر عن أبيه قال : " دخل أعرابي حسن الوجه أبيض الثياب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ما الإسلام يا رسول الله ؟ فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم شهر رمضان ، وتحج وتعتمر ، وتغتسل من الجنابة " .

وذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة أنه كان يحدث أنه : " لما نزلت : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : باثنين حجة وعمرة فمن قضاها فقد قضى الفريضة " .

وروي عن زيد بن ثابت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " .

[ ص: 269 ] وروي عن ابن عباس : " العمرة واجبة " . وبعضهم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما حجة الفريق الثاني - وهم الذين يرون أنها ليست واجبة - فالأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعديد فرائض الإسلام من غير أن يذكر منها العمرة ، مثل حديث ابن عمر : " بني الإسلام على خمس " فذكر الحج مفردا . ومثل حديث السائل عن الإسلام ، فإن في بعض طرقه : " وأن يحج البيت " . وربما قالوا إن الأمر بالإتمام ليس يقتضي الوجوب ، لأن هذا يخص السنن والفرائض - أعني : إذا شرع فيها أن تتم ولا تقطع - .

واحتج هؤلاء أيضا - أعني : من قال إنها سنة - بآثار ، منها حديث الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : " سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي ؟ قال : لا، ولأن تعتمر خير لك " . قال أبو عمر بن عبد البر : وليس هو حجة فيما انفرد به ، وربما احتج من قال إنها تطوع بما روي عن أبي صالح الحنفي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الحج واجب والعمرة تطوع " . وهو حديث منقطع .

فسبب الخلاف في هذا هو تعارض الآثار في هذا الباب ، وتردد الأمر بالتمام بين أن يقتضي الوجوب أم لا يقتضيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث