الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب القضاء في المرفق

حدثني يحيى عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر ولا ضرار

التالي السابق


26 - باب القضاء في المرفق

بفتح الميم وكسر الفاء وبفتحها وكسر الميم ، ما ارتفق به ، وبهما قرئ : ( ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ) ( سورة الكهف : الآية 16 ) ومنه مرفق الإنسان .

1461 1424 - ( مالك ، عن عمرو ) بفتح العين ( بن يحيى المازني ) بكسر الزاي ، من بني مازن بن النجار الأنصاري الثقة المتوفى بعد الثلاثين ومائة ( عن أبيه ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن ، واسمه تميم بن عبد عمرو الأنصاري المدني التابعي الثقة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ضرر ) خبر بمعنى النهي ، أي لا يضر الإنسان أخاه فينقصه شيئا من حقه ( ولا ضرار ) بكسر أوله " فعال " ، أي لا يجازي من ضره بإدخال الضرر عليه بل يعفو ، فالضرر فعل واحد ، والضرار فعل اثنين ، فالأول إلحاق مفسدة بالغير مطلقا ، والثاني إلحاقها به على وجه المقابلة ، أي كل منهما يقصد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء بالمثل . قال ابن عبد البر : قيل هما بمعنى واحد للتأكيد ، وقيل : هما بمعنى القتل والقتال ، أي لا يضره ابتداء ولا يضاره إن ضره وليصبر ، فهي مفاعلة وإن انتصر فلا يعتدي كما قال صلى الله عليه وسلم : " ولا تخن من خانك " . يريد بأكثر من انتصافك منه ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) ( سورة الشورى : الآية 43 ) وقال ابن حبيب : الضرر عند أهل العربية الاسم ، والضرار الفعل ، أي لا تدخل على أحد ضرارا بحال . وقال الخشني : الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة ، والضرار ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة ، وهذا وجه حسن في الحديث ، وهو لفظ عام ينصرف في أكثر الأمور ، والفقهاء ينزعون به في أشياء مختلفة . وقال الباجي : اختار ابن حبيب أنهما لفظان بمعنى واحد للتأكيد ، ويحتمل أن يريد لا ضرر على أحد ، أي لا يلزمه الصبر عليه ولا يجوز له إضراره بغيره ، وليس استيفاء الحقوق في القصاص وغيره من هذا الباب; لأن ذلك استيفاء لحق أو ردع عن استدامة ظلم ، فما أحدثه الرجل بعرصته مما [ ص: 67 ] يضر بجيرانه من بناء حمام أو فرن لخبز أو سبك ذهب أو فضة أو عمل حديد أو رحى فلهم منعه ، قاله مالك في المجموعة اهـ .

وفيه إشارة إلى أن في الحديث حذفا ، أي لا لحوق أو إلحاق ، أو لا فعل ضررا وضرارا بأحد ، أي لا يجوز شرعا إلا لموجب خاص ، فقيد النفي بالشرعي لأنه بحكم القدر لا ينتفى ، وخص منه ما ورد لحوقه بأهله كحد وعقوبة جان وذبح مأكول ، فإنها ضرر ولاحق بأهله وهي مشروعة إجماعا ، وفيه تحريم جميع أنواع الضرر إلا بدليل لأن النكرة في سياق النفي تعم ، ثم لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما في التمهيد . ورواه الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري موصولا بزيادة : " ومن ضار أضر الله به ، ومن شاق شاق الله عليه " . أخرجه الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والحاكم ، ورواه أحمد برجال ثقات ، وابن ماجه من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت ، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره من وجه آخر أقوى منه . وقال النووي : حديث حسن وله طرق يقوي بعضها بعضا . وقال العلائي : له شواهد وطرق يرتقي بمجموعها إلى درجة الصحة . وذكر أبو الفتوح الطائي في الأربعين له أن الفقه يدور على خمسة أحاديث هذا أحدها ، ومن شواهده حديث : " ملعون من ضار أخاه المسلم أو ماكره " . أخرجه ابن عبد البر عن الصديق مرفوعا وضعف إسناده ، وقال : لكنه مما يخاف عقوبة ما جاء فيه . قال : وروى عبد الرزاق عن معمر عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا : " لا ضرر ولا ضرار ، وللرجل أن يغرز خشبة في جدار أخيه " . وجابر ضعيف اهـ ، أي فلا يعتبر بزيادته في هذا الحديث : وللرجل . . . إلخ ، فالزيادة إنما تقبل من الثقة إن لم يخالف من هو أوثق منه كما تقرر ، ثم الإنكار إنما هو ورودها في حديث : لا ضرر ولا ضرار ; إذ هو حديث آخر مستقل عن أبي هريرة وهو التالي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث