الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 49 ] كتاب المفقود

وحكمه أنه حي في حق نفسه وميت في حق غيره ، ويقيم القاضي من يحفظ ماله ويستوفي غلاته فيما لا وكيل له فيه ، ويبيع من أمواله ما يخاف عليه الهلاك ، وينفق من ماله على من تجب عليه نفقته حال حضوره بغير قضاء ، فإن مضى له من العمر ما لا يعيش أقرانه حكم بموته .

[ ص: 49 ]

التالي السابق


[ ص: 49 ] كتاب المفقود

المفقود : المعدوم ، وفقدت الشيء : إذا طلبته فلم تجده ، قال الله - تعالى - : ( قالوا نفقد صواع الملك ) أي طلبناه فلم نجده فقد عدم .

وفي الشرع : الذي غاب عن أهله وبلده أو أسره العدو ولم يدر أحي هو أم ميت ، ولا يعلم له مكان ومضى على ذلك زمان فهو معدوم بهذا الاعتبار ( وحكمه أنه حي في حق نفسه ) لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله ولا تفسخ إجارته ; لأن ملكه كان ثابتا في ماله وزوجته ومنافع ما استأجره ، وغيبوبته لا توجب الفرقة ، والموت محتمل ، فلا يزول الثابت باليقين بالاحتمال . وقال - عليه الصلاة والسلام - في امرأة المفقود : " هي امرأته حتى يأتيها البيان " رواه المغيرة بن شعبة . وعن علي - رضي الله عنه - : إنها امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق . وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر كان يقول : يفرق بينه وبين امرأته إذا مضت أربع سنين ، ثم رجع إلى قول علي .

قال ( و ) هو ( ميت في حق غيره ) لا يرث ممن مات حال غيبته ; لأن الحكم ببقائه بناء على استصحاب الحال وأنه يصلح للدفع لا للاستحقاق . قال : ( ويقيم القاضي من يحفظ ماله [ ص: 50 ] ويستوفي غلاته فيما لا وكيل له فيه ، ويبيع من أمواله ما يخاف عليه الهلاك ) ; لأن القاضي نصب لمصالح المسلمين نظرا لمن عجز عن التصرف بنفسه كما قلنا في الصبي والمجنون ، والمفقود عاجز بنفسه فيتصرف له القاضي ، والنظر له فيما ذكرنا ، فيقبض دينا أقر به الغريم ولا يخاصم لأنه وكيل في القبض من جهته وأنه لا يملك الخصومة بالإجماع ; لأن القاضي يلي الحفظ دون الخصومة ، ولا يبيع ما لا يخاف عليه الهلاك لا في نفقة ولا غيرها إذ لا نظر في ذلك . قال : ( وينفق من ماله على من تجب عليه نفقته حال حضوره بغير قضاء ) كزوجته وأولاده وأبويه لأنه إعانة لهم ، وكل من لا يستحقها بحضرته إلا بقضاء فإنه لا ينفق عليه كالأخ والأخت ونحوهما لأنه قضاء على الغائب ، والمراد بقوله : من ماله النقدان لأنهما قيمة ما يستحقون من المطعوم والمشروب والملبوس ، ولو كان له من جنس ما يستحقونه دفعه إليهم ، وإن كان ماله دينا أو وديعة ، فإن اعترف المديون والمودع بالمال والزوجية والنسب أنفق عليهم منه ، وإن كان ذلك ثابتا عند القاضي فلا حاجة إلى اعترافهم ، وإن ثبت عند القاضي بعض ذلك يشترط اعترافهما بالباقي ، ولو أنفق المديون والمودع عليهم بغير إذن القاضي ضمنا لأنهما ما أوصلا الحق إلى مالكه ولا نائبه .

قال : ( فإن مضى له من العمر ما لا يعيش أقرانه حكم بموته ) وهو الأقيس على قول أبي حنيفة لاختلاف الأعمار باختلاف الأزمان . وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قدره بمائة وعشرين سنة . وعن أبي يوسف مائة سنة ، وقيل تسعين سنة ، وهو غاية ما تنتهي إليه أعمار أهل زماننا في الأعم الأغلب ، وهو الأرفق لأن في التفحص عن موت الأقران حرجا ، وباقي مسائل المفقود تأتي في الفرائض إن شاء الله تعالى .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث