الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصل خطأ المبتدعة في هذه المسألة

وأصل وقوع ذلك في المنتسبين للإسلام والإيمان : أن أقواما من أهل النظر والكلام أرادوا نصرة ما اعتقدوا أنه قوله بما اعتقدوه أنه حجة، ورأوا أن تلك الحجة لها لوازم يجب التزامها، وتلك اللوازم تناقض كثيرا من أخباره.

وهؤلاء غلطوا في المنقول والمعقول جميعا، كما اعتقدت المعتزلة وغيرهم من الجهمية نفاة الصفات والأفعال أنه أخبر أن كل ما سوى الذات القديمة المجردة عن الصفات محدث الشخص والنوع جميعا، وظنوا أن هذا من التوحيد الذي جاء به، واحتجوا على ذلك بما يستلزم حدوث كل ما قامت به صفة وفعل، وجعلوا هذا هو الطريق إلى إثبات وجوده ووحدانيته وتصديق رسله، فقالوا: إن كلامه مخلوق، خلقه في غيره، لم يقم به كلام، وإنه لا يرى في الآخرة، ولا يكون مباينا للخلق، ولا يقوم به علم ولا قدرة ولا غيرهما من الصفات، ولا [ ص: 150 ] فعل من الأفعال، لا خلق للعالم ولا استواء ولا غير ذلك، فإنه لو قام به فعل أو صفة لكان موصوفا محلا للأعراض، ولو قام به فعل يتعلق بمشيئته للزم تعاقب الأفعال ودوام الحوادث، وإذا جوزوا دوام النوع الحادث أو قدمه بطل ما احتجوا على ما ظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به.

وهم مخطئون في المنقول والمعقول.

أما المنقول: فإن الرسول لم يخبر قط بقدم ذات مجردة عن الصفات والأفعال، بل النصوص الإلهية متظاهرة باتصاف الرب بالصفات والأفعال. وهذا معلوم بالضرورة لمن سمع الكتاب والسنة، وهم يسلمون أن هذا هو الذي يظهر من النصوص، ولكن أخبر عن الله بأسمائه الحسنى وآياته المثبتة لصفاته وأفعاله، وأنه: خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش [ سورة الفرقان: 59].

فمن قال: إن الأفلاك قديمة أزلية فقوله مناقض لقول الرسول صلى الله عليه وسلم بلا ريب، كما أن من قال "إن الرب تعالى لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا فعل" فقوله مناقض لقول الرسول، وليس مع واحد منهما عقل صريح يدل على قوله، بل العقل الصريح مناقض لقوله، كما قد بين في موضعه من وجوه كثيرة، مثل ما يقال: إن العقل الصريح يعلم أن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة ممتنع، كإثبات [ ص: 151 ] علم بلا عالم وقدرة بلا قادر. وأعظم امتناعا من ذلك أن يكون العلم هو العالم، والعلم هو القدرة، فهذا قول نفاة الصفات.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث