الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلافة عثمان رضي الله عنه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله : ( ثم لعثمان رضي الله عنه ) .

ش : أي ونثبت الخلافة بعد عمر لعثمان رضي الله عنهما ، وقد ساق البخاري رحمه الله قصة قتل عمر رضي الله عنه ، وأمر الشورى والمبايعة لعثمان ، في صحيحه ، فأحببت أن أسردها ، كما رواها بسنده : عن عمرو بن ميمون ، قال : رأيت عمر رضي الله عنه قبل أن يصاب [ ص: 713 ] بالمدينة بأيام ، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف ، فقال : كيف فعلتما ؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق ؟ قالا : حملناها أمرا هي له مطيقة ، ما فيها كثير فضل ، قال : انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق ؟ قالا : لا ، فقال عمر : لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا ، قال : فما أتت عليه أربعة حتى أصيب .

قال : إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب ، وكان إذا مر بين الصفين قال : استووا ، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم [ فكبر ، وربما قرأ سورة يوسف ، أو النحل ، أو نحو ذلك في الركعة الأولى ، حتى يجتمع الناس ، فما هو إلا أن كبر ] ، فسمعته يقول : قتلني ، أو أكلني الكلب ، حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين ، لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا ، مات منهم سبعة ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين ، طرح عليه برنسا ، فلما ظن أنه مأخوذ ، نحر نفسه ، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف ، فقدمه ، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ، وأما نواحي المسجد ، فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر ، وهم يقولون : [ ص: 714 ] سبحان الله ، سبحان الله ، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا ، قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ؟ فجال ساعة ، ثم جاء فقال : غلام المغيرة ، قال : الصنع ؟ قال : نعم ، قال : قاتله الله ! لقد أمرت به معروفا ! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدعي الإسلام ، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة ، وكان العباس أكثرهم رقيقا ، فقال : إن شئت فعلت ؟ أي : إن شئت قتلنا ؟ قال : كذبت ! بعد ما تكلموا بلسانكم ، وصلوا قبلتكم ، وحجوا حجكم ؟ فاحتمل إلى بيته ، فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، فقائل يقول : لا بأس عليه ، وقائل يقول : أخاف عليه ، فأتي بنبيذ فشربه ، فخرج من جوفه ، ثم أتي بلبن فشربه ، فخرج من جوفه ، فعرفوا أنه ميت .

[ ص: 715 ] فدخلنا عليه ، وجاء الناس يثنون عليه ، وجاء رجل شاب ، فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك ، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقدم في الإسلام ما قد علمت ، ثم وليت فعدلت ، ثم شهادة ، قال : وددت أن ذلك كان كفافا ، لا علي ولا لي ، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض ، قال : ردوا علي الغلام ، قال : يا ابن أخي ، ارفع ثوبك ، فإنه أنقى لثوبك ، وأتقى لربك ، يا عبد الله بن عمر ، انظر ما علي من الدين ؟ فحسبوه ، فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه ، قال : إن وفى له مال آل عمر ، فأده من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب ، فإن لم تف أموالهم ، فسل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم ، فأد عني هذا المال ، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين ، فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، فسلم واستأذن ، ثم دخل عليها ، فوجدها قاعدة تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر [ بن الخطاب ] السلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ، ولأوثرن به اليوم على نفسي ، فلما أقبل ، قيل : هذا عبد الله قد جاء ، قال : ارفعوني ، فأسنده رجل إليه ، قال . ما لديك ؟ قال . الذي تحب يا أمير [ ص: 716 ] المؤمنين أذنت ، قال : الحمد لله ، ما كان شيء أهم إلي من ذلك ، فإذا أنا قضيت فاحملوني ، ثم سلم فقل : يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لي فأدخلوني ، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين ، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسرب معها ، فلما رأيناها قمنا ، فولجت عليه ، فبكت عنده ساعة ، واستأذن الرجال ، فولجت داخلا لهم ، فسمعنا بكاءها من الداخل ، فقالوا : أوص يا أمير المؤمنين ، استخلف ؟ قال : ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط ، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، فسمى عليا ، وعثمان ، والزبير ، وطلحة ، وسعدا ، وعبد الرحمن ، وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر ، وليس له من الأمر شيء ، كهيئة التعزية له ، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك ، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة .

وقال : أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين ، أن يعرف [ ص: 717 ] لهم حقهم ، ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا ، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ، أن يقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم . وأوصيه بأهل الأمصار خيرا ، فإنهم ردء الإسلام ، وجباة الأموال ، وغيظ العدو ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم ، عن رضاهم ، وأوصيه بالأعراب خيرا ، فإنهم أصل العرب ، ومادة الإسلام ، أن يؤخذ من حواشي أموالهم ، وأن يرد على فقرائهم ، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ، أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، ولا يكلفوا [ إلا طاقتهم ] .

فلما قبض خرجنا به ، فانطلقنا نمشي ، فسلم عبد الله بن عمر ، قال : يستأذن عمر بن الخطاب ؟ قالت : أدخلوه ، فأدخل ، فوضع هنالك مع صاحبيه ، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال عبد الرحمن : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم ، قال الزبير : قد جعلت أمري إلى علي ، وقال [ طلحة ] : قد جعلت أمري إلى عثمان ، وقال سعد : قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن [ بن عوف ] ، فقال عبد الرحمن : أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه ؟ والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه ، فأسكت الشيخان ، فقال عبد الرحمن : أفتجعلونه إلي ؟ والله علي أن لا آلو عن أفضلكم ؟ قالا : نعم ، فأخذ بيد أحدهما ، [ فقال ] : [ ص: 718 ] لك قرابة [ من ] رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت ، فبالله عليك ، لئن أمرتك لتعدلن ؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ؟ ثم خلا بالآخر ، فقال له مثل ذلك ، فلما أخذ الميثاق ، قال : ارفع يدك يا عثمان ، فبايعه ، فبايع له علي ، وولج أهل الدار فبايعوه .

وعن حميد بن عبد الرحمن : أن المسور بن مخرمة [ أخبره ] : أن الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا ، قال لهم عبد الرحمن : لست بالذي أنافسكم عن هذا الأمر ، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم ؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن ، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم ، مال الناس إلى [ ص: 719 ] عبد الرحمن ، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه ، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي ، حتى إذا كانت تلك الليلة [ التي ] أصبحنا فيها فبايعنا عثمان ، - قال المسور بن مخرمة - : طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل ، فضرب الباب حتى استيقظت ، فقال : أراك نائما ؟ ! فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم ، انطلق فادع لي الزبير وسعدا ، فدعوتهما [ له ] ، فشاورهما ثم دعاني ، فقال : ادع لي عليا ، فدعوته ، فناجاه حتى ابهار الليل ، ثم قام علي من عنده وهو على طمع ، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا ، ثم قال : ادع لي عثمان ، [ فدعوته ] ، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح ، فلما صلى الناس الصبح ، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر ، وأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار ، و [ أرسل ] إلى أمراء الأجناد ، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر ، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ، ثم قال : أما بعد ، يا علي ، إني قد نظرت في أمر الناس ، فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ، فقال [ ص: 720 ] لعثمان : أبايعك على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ، فبايعه عبد الرحمن ، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون .

ومن فضائل عثمان رضي الله عنه الخاصة : كونه ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه .

وفي صحيح مسلم ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته ، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه ، فاستأذن أبو بكر ، فأذن له وهو على تلك الحال ، فتحدث ، ثم استأذن عمر ، فأذن له وهو كذلك ، فتحدث ، ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه ، فدخل فتحدث ، فلما خرج قالت عائشة : دخل أبو بكر فلم تهش [ ص: 721 ] له ولم تباله ، ثم دخل عمر فلم تهش ولم تباله ، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك ؟ فقال : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة .

وفي الصحيح : لما كان يوم بيعة الرضوان ، وأن عثمان رضي الله عنه كان قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : هذه يد عثمان ، فضرب بها على يده ، فقال : هذه لعثمان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث