الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي

( الفرق الثالث والأربعون بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي ) اعلم أنه إذا لزم شيء شيئا فقد يكون لزومه كليا عاما وقد يكون جزئيا خاصا وضابط اللزوم الكلي العام أن يكون الربط بينهما واقعا في جميع الأحوال والأزمنة وعلى جميع التقادير الممكنة كلزوم الزوجية للعشرة فما من حالة تعرض ولا زمان ولا تقدير يقدر من التقادير الممكنة إلا والزوجية في ذلك كله لازمة للعشرة وقد يكون اللزوم كليا عاما في الشخص الواحد كقولنا كلما كان زيد يكتب فهو يحرك يده أي ما من حالة تعرض ولا زمان ما يشار إليه وزيد يكتب إلا وهو يحرك يده في تلك الحال وفي ذلك الزمان فاللزوم بين كتابته وحركة يده في جميع الأحوال والأزمان والشخص واحد فهذا هو اللزوم الكلي واللزوم الجزئي هو لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض أو بعض الأزمنة دون بعض ويتضح ذلك بسؤال ذكره بعض الفضلاء على قول الفقهاء أن الطهارة الكبرى التي هي غسل الجنابة مثلا إذا حصلت أغنت عن الوضوء وجازت بها الصلاة من غير تجديد وضوء فقال هذا السائل أنتم جعلتم الطهارة الصغرى لازمة للطهارة الكبرى والقاعدة العقلية أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم فيلزم على هذا من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى فإذا أحدث الحدث الأصغر تنتفي الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى فيلزمه الغسل وهو خلاف الإجماع فيلزم الفقهاء بقولهم إن الطهارة الصغرى لازمة للطهارة الكبرى أما مخالفة القاعدة العقلية بأن لا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إن أبقوا الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى .

وأما مخالفة الإجماع إن أوجبوا الغسل بخروج الريح أو الغائط أو الملامسة وكلتا القاعدتين لا سبيل إلى مخالفتهما فلا سبيل إلى القول بلزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى هذا تقرير السؤال وهو سؤال قوي حسن يحتاج الجواب عنه إلى معرفة الفرق بين هاتين القاعدتين ومن جهل هذا الفرق تعذر عليه الجواب عن هذا السؤال [ ص: 224 ]

وانسد عليه الباب بالكلية والجواب عن هذا السؤال أن نقول اللزوم بين الطهارة الكبرى والصغرى جزئي لا كلي ومعناه أن المغتسل إذا لم يحصل منه ناقض في أثناء غسله لزم غسله ذلك الوضوء في الابتداء فقط دون الدوام فاللزوم بهذا الشرط وهو عدم طرءان الناقض في أثناء الغسل حالة خاصة من جملة الأحوال وحالة دوام الغسل وغيرها من الأحوال لم يحصل فيها لزوم فلا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إلا في الحالة التي حصل فيها اللزوم فلا جرم لم يقل أحد من القائلين باللزوم في هذه الحالة ببقاء الطهارة الكبرى دون الطهارة الصغرى بل إنما قال به في حالة الدوام التي ليس فيها لزوم فانتفاء الطهارة الصغرى في هذه الحالة لا يقدح في انتفاء الطهارة الكبرى لأن انتفاء ما ليس بلازم لا يقدح إنما يقدح انتفاء ما هو لازم والطهارة الصغرى في هذه الحالة ليست لازمة فلا يضر انتفاؤها ونظير هذه المسألة في اللزوم الجزئي كل مؤثر مع أثره فإن المؤثر يجب حضوره حالة وجود أثره وهو زمن حدوثه دون ما بعد زمن الحدوث فكل بناء يلزمه البناء حالة البناء دون ما بعد ذلك فقد يموت البناء ويبقى بعد ذلك البناء وكذلك الناسج مع نسجه وكل مؤثر مع أثره لزومه جزئي في حالة الحدوث فقط فلا جرم لا يلزم من عدم المؤثر بعد ذلك عدم الأثر لأن العدم في تلك الحال عدم لما ليس بلازم وعدم ما ليس بلازم لا يقدح لا عقلا ولا عادة ولا شرعا فكذلك هاهنا اللزوم جزئي في حالة معينة وهي التي تقدم ذكرها فعدم اللزوم في غير تلك الحالة لا يقدح .

وقولهم أنه يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إنما يريدون به حيث قضي باللزوم إما عاما وإما خاصا إما في الصورة التي لم يقض فيها باللزوم فلا ونظير هذه القاعدة أيضا قولهم يلزم من عدم الشرط عدم المشروط إنما يريدون به في الصورة التي هو فيها شرط أما لو كان شرطا في حالة دون حالة لم يلزم من عدمه في صورة ما ليس بشرط فيها عدم المشروط كما تقول في الطهارة بالماء شرط في صحة الصلاة في بعض صور الصلاة وهي صورة القدرة على الماء وعلى استعماله فلا جرم يلزم من عدمه في تلك الصورة عدم صحة الصلاة وليس بشرط في صورة عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله فلا جرم [ ص: 225 ] لا يلزم من عدمه في تلك الصورة عدم المشروط لعدم الشرطية في تلك الصورة فالشرط واللازم في هذا الباب سواء فتأمل ذلك .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثالث والأربعون بين قاعدة اللزوم الجزئي وبين قاعدة اللزوم الكلي ) .

وذلك أن ضابط اللزوم الكلي العام أن يكون الربط بينهما واقعا في جميع الأحوال والأزمنة وعلى جميع التقادير الممكنة وهو المسمى عند المناطقة باللزوم البين أما بالمعنى الأخص بحيث يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم كلزوم الزوجية للعشرة وأما بالمعنى الأعم بحيث يلزم من تصور الملزوم واللازم معا الجزم باللزوم سواء كفى تصور الملزوم في تصور اللازم أو لم يكف تصوره في تصوره بل لا بد في الجزم باللزوم من تصورهما معا كلزوم قبول العلم وصنعة الكتابة للإنسان ثم إن اللزوم الكلي العام يكون للماهية كما ذكر وقد يكون للشخص الواحد في حالة من أحواله كلزوم حركة اليد لزيد في حالة كتابته فكلما كان زيد يكتب فهو يحرك يده أي ما من حالة تعرض ولا زمان ما يشار إليه وزيد يكتب إلا وهو يحرك يده فاللزوم بين كتابته وحركة يده في جميع [ ص: 226 ] الأحوال والأزمان وضابط اللزوم الجزئي أن يكون لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض أو بعض الأزمنة دون بعض وهو المراد باللزوم في الجملة المعتبر عند البيانيين في المجاز والكناية كلزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى التي هي غسل الجنابة مثلا بمعنى أن الطهارة الكبرى إذا حصلت أغنت عن الطهارة الصغرى التي هي الوضوء وجازت بها الصلاة من غير تجديد وضوء كما قال الفقهاء لكن لا في جميع الأحوال والأزمان حتى يقال إنه يلزم على قول الفقهاء المذكور أما مخالفة القاعدة العقلية وهي أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم بأن لا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم أن أبقوا الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى إذا أحدث الحدث الأصغر وأما مخالفة الإجماع المنعقد بعدم انتفاء الطهارة الكبرى بعد انتفاء الصغرى إذا أحدث الحدث الأصغر إن أوجبوا الغسل بخروج الريح أو الغائط أو الملامسة .

وكلتا القاعدتين لا سبيل إلى مخالفتهما فلا سبيل إلى القول بلزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى بل مراد الفقهاء أن لزوم الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى مقيد بما إذا لم يقع من المغتسل ناقض في أثناء غسله بمعنى أن لزوم الوضوء للغسل في الابتداء فقط دون الدوام فاللزوم بينهما بهذا الشرط وهو عدم طرءان الناقض في أثناء الغسل فهو في حالة خاصة من جملة الأحوال ولا يحصل في حالة دوام الغسل وغيرها من الأحوال فلا يلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم إلا في الحالة التي حصل فيها اللزوم فلا جرم لم يقل أحد من القائلين باللزوم في هذه الحالة ببقاء الطهارة الكبرى دون الطهارة الصغرى بل إنما قال به في حالة الدوام التي ليس فيها لزوم فانتفاء الطهارة الصغرى في هذه الحالة لا يقدح إذ لا يقدح الانتفاء ما هو لازم والطهارة الصغرى في هذه الحالة ليست لازمة فلا يضر انتفاؤها ومن أمثلة اللزوم الجزئي أيضا لزوم المؤثر لأثره زمن حدوث ذلك الأثر دون ما بعد زمن الحدوث فكل بناء يلزمه البناء حالة البناء دون ما بعد ذلك فقد يموت البناء ويبقى بعد ذلك البناء وكذلك الناسج من نسجه فعدم اللزوم في غير حالة الحدوث لا يقدح إذ لم يريدوا بقولهم يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إلا حيث قضي باللزوم إما عاما وإما خاصا أما في الصورة التي لم يقض فيها باللزوم فلا كما أنهم أرادوا بقولهم يلزم من عدم الشرط عدم المشروط أنه يلزم من عدمه عدمه في الصورة التي هو فيها شرط .

أما لو كان شرطا في حالة دون حالة لم يلزم من عدمه في صورة ما ليس بشرط فيها عدم المشروط كالطهارة بالماء شرط في صحة الصلاة في صورة القدرة على الماء وعلى استعماله وليس بشرط في صورة عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله فلا جرم يلزم من عدمه في صورة القدرة على ذلك عدم صحة الصلاة ولا يلزم من عدمه في صورة عدم القدرة على ذلك عدم المشروط الذي هو صحة الصلاة لعدم الشرطية في تلك الصورة .

فالشرط واللازم في هذا الباب سواء فتأمل ذلك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث