الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ( قال المؤلف ) رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين : وتشرع للمرضى العيادة فأتهم تخض رحمة تغمر مجالس عود ( وتشرع ) أي : تسن وتندب كما في المنتهى ، والإقناع ( للمرضى ) : جمع مريض ، وهو من اتصف بالمرض ، والمرض حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل ويعلم من هذا أن الآلام ، والأورام أعراض عن المرض ، وقال ابن فارس : المرض : كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة ، أو نفاق أو تقصير في أمر ، والفاعل مريض وجمعه مرضى ، وفي القاموس المرض : إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها .

يقال : مرض كفرح مرضا ومرضا ، فهو مرض ومريض ومارض ، والجمع مراض ومرضى ومراض ، أو المرض بالفتح للقلب خاصة وبالتحريك ، أو كلاهما الشك والنفاق انتهى ( العيادة ) أي : الزيارة والافتقاد قال القاضي عياض : سميت عيادة ; لأن الناس يتكررون أي يرجعون يقال : عدت المريض عودا وعيادة الياء منقلبة عن واو ذكره في المطلع . وفي الإقناع عن ابن حمدان عيادة المريض فرض كفاية .

قال شيخ الإسلام رضي الله عنه : الذي يقتضيه النص وجوب ذلك واختاره جمع ، والمراد مرة قال : وظاهره ، ولو من وجع ضرس ورمد ودمل خلافا لأبي المعالي بن المنجا من أئمة المذهب رحمه الله تعالى . قال في الفروع : يستحب ذكر الموت والاستعداد له ، وكذا عيادة المريض وفاقا للأئمة الثلاثة ، وقيل : بعد أيام لخبر ضعف ، وأوجب أبو الفرج وبعض العلماء عيادته ، والمراد مرة واختاره الآجري وفي أواخر الرعاية فرض كفاية كوجه في ابتداء السلام ذكره شيخنا واختاره .

وقال أبو حفص العكبري : السنة مرة وما زاد نافلة ( فأتهم ) أي المرضى يعني عدهم ( تخض ) في حال ذهابك لعيادتهم وإيابك منها ( رحمة ) أي في رحمة من أرحم الراحمين ( تغمر ) أي تغطي لكثرتها [ ص: 4 ] مجالس ) جمع مجلس ( عود ) جمع عائد يشير إلى ما أخرجه الإمام مالك بلاغا ، والإمام أحمد مسندا ، ورواته رواة الصحيح ، والبزار وابن حبان في صحيحه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس فإذا جلس اغتمس فيها } . ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة بنحوه ، ورواته ثقات .

مطلب : في بيان ما ورد في عيادة المريض

( أخرج ) الإمام أحمد بإسناد حسن والطبراني في الكبير ، والأوسط عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من عاد مريضا خاض في الرحمة فإذا جلس عنده استنقع فيها } . ورواه الطبراني فيهما أيضا من حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه ، وزاد : { وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج } ، وإسناده إلى الحسن أقرب . وروي عن أنس رضي الله عنه قال : { سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيما رجل يعود مريضا ، فإنما يخوض في الرحمة فإذا قعد عند المريض غمرته الرحمة قال : فقلت : يا رسول الله هذا للصحيح الذي يعود المريض فما للمريض ؟ قال : يحط عنه ذنوبه } . رواه الإمام أحمد ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الصغير ، والأوسط ، وزاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } أشار الحافظ المنذري إلى ضعفه .

    فسبعون ألفا من ملائكة الرضا
تصلي على من عاد يمشي إلى الغد ( فسبعون ألفا من ملائكة الرضا ) يرسلهم الله سبحانه وتعالى ( تصلي ) السبعون ألفا ( على من ) أي إنسان مسلم ( عاد يمشي ) في حال عيادته لأخيه المسلم ، ولا تزال الملائكة تصلي عليه أي تدعو وتستغفر له من ابتداء إعادته ( إلى الغد ) ، وهو ثاني يوم الإعادة .

وإن عاده في أول اليوم واصلت عليه إلى الليل الصلاة فأسند ( وإن عاده ) أي المريض ( في أول اليوم ) أي في بكرة نهاره ( واصلت ) الملائكة ( عليه ) أي العائد من أول اليوم ( إلى ) دخول ( الليل الصلاة ) أي [ ص: 5 ] الدعاء والاستغفار ( فأسند ) ذلك عن حضرة صاحب الرسالة الذي جاءنا بالهدى ودين الحق وإزاحة الضلالة .

وأخرج أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم سبعين خريفا فقلت : يا أبا حمزة ما الخريف ؟ قال : العام } .

وأخرج الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة } ، ورواه أبو داود موقوفا على علي رضي الله عنه ، ثم قال وأسند هذا عن علي رضي الله عنه من غير وجه صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رواه مسندا بمعناه ، ولفظ الموقوف {ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح وكان له خريف في الجنة ، ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي وكان له خريف في الجنة } ، ورواه بنحو هذا الإمام أحمد وابن ماجه مرفوعا وزاد في أوله { ، إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس ، فإذا جلس غمرته الرحمة } الحديث ، وليس عندهما وكان له خريف في الجنة ورواه ابن حبان في صحيحه مرفوعا ولفظه : { ما من مسلم يعود مسلما إلا يبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسي وفي أي ساعات الليل حتى يصبح } ، ورواه الحاكم مرفوعا بنحو الترمذي ، وقال صحيح .

قوله : في خرافة الجنة بكسر الخاء أي في اجتناء ثمر الجنة يقال : خرفت النخلة أخرفها ، فشبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه المخترف من التمر هذا قول ابن الأنباري . وفي مطالع الأنوار قوله في { عائد المريض : في مخرفة الجنة } بفتح الميم والراء .

وفي حديث آخر { في خرفة الجنة } ، وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه جناها يشير إلى ما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع قيل : يا رسول الله وما خرفة الجنة ؟ قال : جناها } والذي ذكره البخاري في الأدب المفرد أن التفسير لأبي قلابة ولفظه قلت لأبي قلابة : ما خرفة الجنة [ ص: 6 ] قال : جناها ، وهو عند الإمام أحمد ومسلم من جملة المرفوع . قال الحافظ المنذري : خرفة الجنة بضم الخاء المعجمة وبعدها راء ساكنة ، هو ما يخترف من نخلها أي يجتنى انتهى .

وفي الفتح للحافظ ابن حجر : هي الثمرة إذا نضجت شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمرة ، وقال في المطالع : قال الأصمعي المخارف واحدها مخرف ، وهو جنى النخل ; لأنه يخترف أي يجتنى .

وقال غيره : المخرفة : سلمة بين صفين من نخيل يخترف من أيها شاء أي يجتني ، وقال غيره : المخرفة : الطريق أي طريق تؤديه إلى الجنة ، ومنه قوله ، وتركتم على مثل مخرفة النعم قال : وعلى التفسيرات المتقدمة يكون معناه في بساتين الجنة ، وكله راجع إلى قوله صلى الله عليه وسلم : { جناها } ، وهو أصح وأثبت والله أعلم .

وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم قالا : من مشى في حاجة أخيه المسلم أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك يدعون له ولم يزل يخوض في الرحمة حتى يفرغ ، فإذا فرغ كتب الله له حجة وعمرة ، ومن عاد مريضا أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك لا يرفع قدما إلا كتب له به حسنة ولا يضع قدما إلا حط عنه سيئة ورفع له بها درجة حتى يقعد في مقعده فإذا قعد غمرته الرحمة فلا يزال كذلك حتى إذا أقبل حيث ينتهي إلى منزله رواه الطبراني في الأوسط قال الحافظ المنذري : وليس في أصلي رفعه ورواه بصيغة التمريض يشير إلى ضعفه والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث