الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الاغتسال للمحرم

1743 [ ص: 434 ] 14 - باب : الاغتسال للمحرم

وقال ابن عباس : يدخل المحرم الحمام. ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا.

1840 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه، أن عبد الله بن العباس ، والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس : يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري ، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين ، أرسلني إليك عبد الله بن العباس ، أسألك: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب. فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر وقال: هكذا رأيته - صلى الله عليه وسلم - يفعل. [ مسلم: 1205 - فتح: 4 \ 55]

التالي السابق


ثم ذكر حديث زيد بن أسلم ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه، أن عبد الله بن عباس ، والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس : يغسل المحرم رأسه.. الحديث.

وقد أخرجه مسلم أيضا.

و(الأبواء) بالمد سلف قريبا، و(المسور) صحابي ابن صحابي، واختلافهما هو في الغسل، والاختلاف في مذاكرة العلم، والظاهر من إرسال ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله عن غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه وهو محرم، أن ابن عباس علم أن عند أبي أيوب من ذلك [ ص: 435 ] علما، وفي إرساله عبد الله بن حنين أن الصاحب ينقل عن التابعي.

و(القرنان): العمودان بجنب البئر عليهما البكرة يستقى عليهما، فإن كانا من خشب فهما زرنوقان.

وفيه: ستر المغتسل بثوب ونحوه، والبداءة بالسلام عليه وإن كان في حالة تجتنب مكالمته، ويغض البصر عنه، وأرسله للعلم بالغسل فسأل عن الكيفية; لأنه ناشئ عن الغسل، ولعل اختلافهما كان في غسل التطوع أو فيما زاد على الفرض من إمرار اليد، ولعل المسور إنما أنكره؛ خشية من قتل الدواب في الرأس وإزالة الشعث، وليس في إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا في مثل الصب عليها.

وفيه: أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة، كما نزع أبو أيوب بالسنة، ففلج ابن عباس المسور.

وفيه: التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها.

وقوله في الترجمة: (ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا) يعني: حك جلده إذا أكله، وقال عطاء: يحك الجنب في جسده وإن أدماه.

وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك، ورويت الرخصة في ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس [ ص: 436 ] وجابر، وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره ذلك للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام، قال مالك: فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث، وهذا الذي سمعت من أهل العلم.

وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئا من طعام؛ خوفا من قتل الدواب، ولا يجب الفداء إلا بيقين، وغير ذلك استحباب. ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده.

قال أشهب: لا أكره غمس المحرم رأسه في الماء، وما يخاف في الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحر، وقد قال عمر بن الخطاب ليعلى بن (أمية) -حين كان عمر يغسل رأسه ويعلى يصب عليه-: أصبب فلن يزيده الماء إلا شعثا، يعني: إذا [ ص: 437 ] لم يغسل بغير الماء. ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء حركه بيديه، ولم ير ذلك مما يذهب الشعث، ومثله قوله - عليه السلام - لعائشة: "انقضي رأسك في غسلك وامتشطي" أي: أمشطيه بأصابعك وخلليه بها فإن ذلك لا يذهب الشعث، وإن شعثه لا يمنعك من المبالغة في غسل رأسك; لأن الماء لا يزيده إلا شعثا.

وابن عباس أفقه من المسور; لموافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، قاله ابن أبي صفرة، ونقل ابن التين عن مالك أن انغماس المحرم فيه محظور.

وروي عن ابن عمر وابن عباس إجازته، وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية.

وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لبد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي حتى يلين، وكان ابن عمر يفعل ذلك.

قال ابن المنذر: وذلك جائز; لأنه - عليه السلام - أمرهم أن يغسلوا الميت [ ص: 438 ] المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجنب المحرم الحي، فدل ذلك على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر والخطمي، وما في معناه، وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول الحمام.

وقال مالك: إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث