الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يستفاد بالولاية إذا ثبتت وكانت عامة

جزء التالي صفحة
السابق

وإذا ثبتت الولاية وكانت عامة ، استفاد بها النظر في عشرة أشياء : فصل الخصومات ، واستيفاء الحق ممن هو عليه ، ودفعه إلى ربه ، والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء ، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس ، والنظر في الوقوف في عمله بإجرائها على شرط الواقف ، وتنفيذ الوصايا وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن ، وإقامة الحدود ، وإقامة الجمعة ، والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طريق المسلمين وأفنيتهم ، وتصفح حال شهوده وأمنائه ، والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم . فأما جباية الخراج ، وأخذ الصدقة فعلى وجهين .

وله طلب الرزق لنفسه وأمنائه وخلفائه مع الحاجة ، فأما مع عدمها فعلى وجهين .

التالي السابق


فصل

( وإذا ثبتت الولاية وكانت عامة ) أي : لم تقيد بنوع ( استفاد بها النظر في عشرة أشياء ) كذا في " المحرر " و " الوجيز " ، وزاد عليها واحدا : وهو جباية الخراج ، وفي " الفروع " و " الزكاة " . وقال في " التبصرة " : والاحتساب على الباعة والمشترين وإلزامهم بالشرع .

وقال الشيخ تقي الدين : ما يستفيده بالولاية لا حد له شرعا ، بل يتلقى من اللفظ والأحوال والعرف .

( فصل الخصومات ، واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه ) لأن المقصود من القضاء ذلك ، ولهذا قال أحمد : أتذهب حقوق الناس ؛ ! ( والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء ) لأن بعضهم مختص بنظر الحاكم وهو السفيه ، وبعضهم هو بين أن لا يكون له ولي فترك نظره في ماله يؤدي إلى ضياعه ، وبين أن يكون له ولي فترك نظره في حال الولي يؤدي إلى طمعه في مال موليه ، وفي ذلك ضرر عليه ( والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس ) [ ص: 12 ] لأن الحجر يفتقر إلى نظر واجتهاد ، فلذلك كان مختصا به . ( والنظر في الوقوف في عمله بإجرائها على شرط الواقف ) لأن الضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطها سواء أكان لها ناظر خاص ، أو لم يكن . ( وتنفيذ الوصايا ) لأن الميت محتاج إلى ذلك ، وليس ذلك لغيره . ( وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن ) لقوله - عليه السلام - : فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له والقاضي نائبه . ( وإقامة الحدود ) لأنه - عليه السلام - كان يقيمها والخلفاء من بعده . ( وإقامة الجمعة ) والعيد ، ذكره في " المستوعب " و " الرعاية " و " الفروع " ما لم يخصا بإمام من جهة السلطان أو الواقف ، ذكره ابن حمدان ، ولأن الخلفاء كانوا يقيمونهما . ( والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طريق المسلمين وأفنيتهم ) لأنه مرصد للمصالح . ( وتصفح حال شهوده وأمنائه ، والاستبدال بمن ثبت جرحه منهم ) لأن العادة في القضاء توليها ، فعند إطلاق الولاية تنصرف إلى ما جرت به العادة . ( فأما جباية الخراج وأخذ الصدقة ) إذا لم يخصا بعامل ، قاله في " الوجيز " تبعا لأبي الخطاب . ( فعلى وجهين ) :

أحدهما : يدخلان قياسا على سائر الخصال .

الثاني : لا ؛ لأن العادة لم تثبت بتولي القضاء لهما ، والأصل عدم ذلك . وقيل : في الخراج .

ونقل أبو طالب : أمير البلد إنما هو مسلط على الأدب ، وليس إليه [ ص: 13 ] المواريث والوصايا والفروج والحدود والرحم ، إنما ذلك للقاضي ، فظهر الفرق بينهما .

وعلم مما تقدم أنه لا يسمع بينة في غير عمله ، وهو محل حكمه ، وتجب إعادة الشهادة لتعديلها ( ولهطلب الرزق لنفسه وأمنائه وخلفائه مع الحاجة ) ورخص فيه أكثر العلماء ؛ لأن عمر رزق شريحا في كل شهر مائة درهم ، ورزق ابن مسعود نصف شاة كل يوم ، وإذا جاز له الطلب لنفسه جاز لمن هو في معناه .

وقال أحمد : لا يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرا ، وإن كان فبقدر عمله ، مثل مال اليتيم . وكان ابن مسعود يكره الأجرة على القضاء ، ولا يأخذ عليه أجرا . ( فأما مع عدمها فعلى وجهين ) .

أما الجواز ؛ لأن أبا بكر لما ولي الخلافة فرضوا له كل يوم درهمين . وفرض عمر لزيد وغيره ، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة ، ولأنه لو لم يجز فرض الرزق لتعطلت وضاعت الحقوق .

والثاني : لا يجوز ؛ لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القربة ، فلم يجز أخذ الأجرة عليه كالصلاة ، فأما الاستئجار عليه فلا يجوز ، فإن عمر قال : لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرا .

قال في " المغني " : لا نعلم فيه خلافا ؛ لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل [ ص: 14 ] القربة ولا يعمله الإنسان عن غيره ، وإنما يقع عن نفسه كالصلاة ، فإن لم يكن له رزق وليس له ما يكفيه وقال للخصمين : لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي جعلا ، جاز . وقيل : لا . تنبيه : لا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه ، لا نعلم فيه خلافا ؛ لأنه مأمور بالحكم بالحق ، والحق لا يتعين في مذهب بعينه . وفي فساد التولية وجهان ، كالشرط الفاسد في البيع . وإن أمره أن يحكم به وحده صح ، وله أن يحكم بمذهب إمام غيره ، ومذهب غير من ولاه إن قوي عنده دليله ، وقيل : لا . وللإمام تولية القضاء في بلده وفي غيره . وإن أذن له أن يستنيب صح ، وإن نهاه فلا ، وإن أطلق فظاهر كلام أحمد ، وجزم به في " المستوعب " ، وقدم في " الشرح " الجواز . وقيل : له ذلك فيما لا يباشره مثله عرفا أو يشق ، فإن استخلف في موضع ليس الاستخلاف ، فحكمه حكم من لم يول . وتشترط أهلية النائب لما تولاه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث