الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون

ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الأخرين أتبع التذكير والتسلية من جانب النظر في آثار ما حل بالأمم المرسل إليهم ، وما أخبر عنه من عاقبتهم في الآخرة ، بتذكير وتسلية من جانب الإخبار عن الرسل الذين كذبهم قومهم وآذوهم ، وكيف انتصر الله لهم ليزيد رسوله - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا ويلقم المشركين تبكيتا .

وذكر في هذه السورة قصص الرسل مع أقوامهم لأن في كل قصة منها خاصية لها شبه بحال الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع قومه وبحاله الأكمل في دعوته ، ففي القصص كلها عبرة وأسوة وتحذير كما سيأتي تفصيله عند كل قصة منها ، ويجمعها كلها مقاومة الشرك ومقاومة أهلها .

[ ص: 130 ] واختير هؤلاء الرسل الستة : لأن نوحا القدوة الأولى ، وإبراهيم هو رسول الملة الحنيفية التي هي نواة الشجرة الطيبة شجرة الإسلام ، وموسى لشبه شريعته بالشريعة الإسلامية في التفصيل والجمع بين الدين والسلطان ، فهؤلاء الرسل الثلاثة أصول . ثم ذكر ثلاثة رسل تفرعوا عنهم وثلاثة على ملة رسل من قبلهم . فأما لوط فهو على ملة إبراهيم ، وأما إلياس ويونس فعلى ملة موسى .

وابتدى بقصة نوح مع قومه فإنه أول رسول بعثه الله إلى الناس وهو الأسوة الأولى والقدوة المثلى .

وابتداء القصة بذكر نداء نوح ربه موعظة للمشركين ليحذروا دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربه تعالى بالنصر عليهم كما دعا نوح على قومه ، وهذا النداء هو المحكي في قوله قال رب انصرني بما كذبون في سورة المؤمنون ، وقوله قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا الآيات من سورة نوح .

والفاء في قوله فلنعم المجيبون تفريع على " نادانا " ، أي نادانا فأجبناه ، فحذف المفرع لدلالة " فلنعم المجيبون " عليه لتضمنه معنى فأجبناه جواب من يقال فيه : نعم المجيب .

والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلنعم المجيبون نحن . وضمير المتكلم المشارك مستعمل في التعظيم كما هو معلوم .

وتأكيد الخبر وتأكيد ما فرع عليه بلام القسم لتحقيق الأمرين تحذيرا للمشركين بعد تنزيلهم منزلة من ينكر أن نوحا دعا فاستجيب له .

والتنجية : الإنجاء وهو جعل الغير ناجيا . والنجاة : الخلاص من ضر واقع . وأطلقت هنا على السلامة من ذلك قبل الوقوع فيه لأنه لما حصلت سلامته في حين إحاطة الضر بقومه نزلت سلامته منه مع قربه منه بمنزلة الخلاص منه بعد الوقوع فيه ، تنزيلا لمقاربة وقوع الفعل منزلة وقوعه ، وهذا إطلاق كثير للفظ النجاة بحيث يصح أن يقال : النجاة خلاص من ضر واقع أو متوقع .

والمراد بأهله : عائلته إلا من حق عليه القول منهم ، وكذلك المؤمنون من قومه ، قال تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه [ ص: 131 ] القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل . فالاقتصار على أهله هنا لقلة من آمن به من غيرهم ، أو أريد بالأهل أهل دينه كقوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه .

وأشعر قوله ونجيناه وأهله أن استجابة دعاء نوح كانت بأن أهلك قومه .

والكرب : الحزن الشديد والغم . ووصفه ب " العظيم " لإفادة أنه عظيم في نوعه فهو غم على غم . والمعني به الطوفان ، وهو كرب عظيم على الذين وقعوا فيه ، فإنجاء نوح منه هو سلامته من الوقوع فيه كما علمت لأنه هول في المنظر ، وخوف في العاقبة ، والوقوع فيه موقن بالهلاك . ولا يزال الخوف به حتى يغمره الماء ثم لا يزال في آلام من ضيق النفس ورعدة القر والخوف وتحقيق الهلاك حتى يغرق في الماء .

وإنجاء الله إياه نعمة عليه ، وإنجاء أهله نعمة أخرى ، وهلاك ظالميه نعمة كبرى ، وجعل عمران الأرض بذريته نعمة دايمة لأنهم يدعون له ويذكر بينهم مصالح أعماله وذلك مما يرحمه الله لأجله ، وستأتي نعم أخرى تبلغ اثنتي عشرة .

وضمير الفصل في قوله " هم الباقين " للحصر ، أي لم يبق أحد من الناس إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته ، ثم من تناسل منهم ، فلم يبق من أبناء آدم غير ذرية نوح فجميع الأمم من ذرية أولاد نوح الثلاثة .

وظاهر هذا أن من آمن مع نوح من غير أبنائه لم يكن لهم نسل . قال ابن عباس : لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءه . وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله في سورة هود قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل ، وهذا جار على أن الطوفان قد عم الأرض كلها واستأصل جميع البشر إلا من حملهم نوح في السفينة ، وقد تقدم خبره في سورة هود .

وعموم الطوفان هو مقتضى ظواهر الكتاب والسنة ، ومن قالوا : إن الطوفان لم يعم الأرض فإنما أقدموا على إنكاره من جهة قصر المدة التي حددت بها كتب الإسرائيليين ، وليس يلزم الاطمئنان لها في ضبط عمر الأرض وأحداثها ، وذلك ليس [ ص: 132 ] من القواطع ، ويكون القصر إضافيا أي لم يبق من قومه الذين أرسل إليهم . وقد يقال : نسلم أن الطوفان لم يعم الأرض ولكنه عم البشر لأنهم كانوا منحصرين في البلاد التي أصابها الطوفان ، ولئن كانت أدلة عموم الطوفان غير قطعية فإن مستندات الذين أنكروه غير ناهضة فلا تترك ظواهر الأخبار لأجلها .

وزاد الله في عداد كرامة نوح - عليه السلام - قوله وتركنا عليه في الآخرين ، فتلك نعمة خامسة .

والترك : حقيقته تخليف شيء والتخلي عنه . وهو هنا مراد به الدوام على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة ؛ لأن شأن النعم في الدنيا أنها متاع زائل بعد ، طال مكثها أو قصر ، فكأن زوالها استرجاع من معطيها كما جاء في الحديث لله ما أخذ وله ما أعطى فشرف الله نوحا بأن أبقى نعمه عليه في أمم بعده .

وظاهر " الآخرين " أنها باقية في جميع الأمم إلى انقضاء العالم ، وقرينة المجاز تعليق " عليه " ب " تركنا " لأنه يناسب الإبقاء ، يقال : أبقى على كذا ، أي حافظ عليه ليبقى ولا يندثر ، وعلى هذا يكون ل " تركنا " مفعول ، وبعضهم قدر له مفعولا يدل عليه المقام ، أي تركنا ثناءا عليه ، فيجوز أن يراد بهذا الإبقاء تعميره ألف سنة ، فهو إبقاء أقصى ما يمكن إبقاء الحي إليه فوق ما هو متعارف .

ويجوز أن يراد بقاء حسن ذكره بين الأمم كما قال إبراهيم واجعل لي لسان صدق في الآخرين فكان نوح مذكورا بمحامد الخصال حتى قيل : لا تجهل أمة من أمم الأرض نوحا وفضله وتمجيده ، وإن اختلفت الأسماء التي يسمونه بها باختلاف لغاتهم . فجاء في سفر التكوين الإصحاح التاسع : كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله ، وسار نوح مع الله .

وورد ذكره قبل الإسلام في قول النابغة :


فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون

وذكره لبني إسرائيل في معرض الاقتداء به في قوله ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا .

[ ص: 133 ] وذكر ابن خلدون : أن بعضهم يزعم أن نوحا هو ( أفريدون ) ملك بلاد الفرس ، وبعضهم يزعم أن نوحا هو ( أوشهنك ) ملك الفرس الذي كان بعد ( كيومرث ) بمائتي سنة ، وهو يوافق أن نوحا كان بعد آدم وهو كيومرث بمائتي سنة حسب كتب الإسرائيليين . على أن كيومرث يقال : إنه آدم كما تقدم في سورة البقرة .

ومتعلق " عليه " من قوله وتركنا عليه لم يحم أحد من المفسرين حوله فيما اطلعت ، والوجه أن يتعلق " عليه " بفعل " تركنا " بتضمين هذا الفعل معنى أنعمنا ، فكان مقتضى الظاهر أن يعدى هذا الفعل باللام ، فلما ضمن معنى أنعمنا أفاد بمادته معنى الإبقاء له ، أي إعطاء شيء من الفضائل المدخرة التي يشبه إعطاؤها ترك أحد متاعا نفيسا لمن يخليه هو له ويخلفه فيه . وأفاد بتعليق حرف ( على ) به أن هذا الترك من قبيل الإنعام والتفضيل ، وكذلك شأن التضمين أن يفيد المضمن مفاد كلمتين فهو من ألطف الإيجاز .

ثم إن مفعول " تركنا " لما كان محذوفا ، وكان فعل ( أنعمنا ) الذي ضمنه فعل " تركنا " مما يحتاج إلى متعلق معنى المفعول ، كان محذوفا أيضا مع عامله فكان التقدير : وتركنا له ثناءا وأنعمنا عليه ، فحصل في قوله " تركنا عليه " حذف خمس كلمات وهو إيجاز بديع .

ولذلك قدر جمهور المتقدمين من المفسرين " وتركنا " ثناءا حسنا عليه .

وجملة سلام على نوح في العالمين إنشاء ثناء الله على نوح وتحية له ، ومعناه لازم التحية وهو الرضى والتقريب ، وهو نعمة سادسة . وتنوين سلام للتعظيم ، ولذلك شاع الابتداء بالنكرة لأنها كالموصوف .

والمراد بالعالمين : الأمم والقرون ، وهو كناية عن دوام السلام عليه كقوله تعالى وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا في حق عيسى - عليه السلام - وكقوله " سلام على آل ياسين " " سلام على إبراهيم " .

و " في العالمين " حال فهو ظرف مستقر أو خبر ثان عن " سلام " .

وذهب الكسائي والفراء والمبرد والزمخشري إلى أن قوله سلام على نوح في [ ص: 134 ] العالمين في محل مفعول " تركنا " ، أي تركنا عليه هذه الكلمة وهي سلام على نوح في العالمين وهو من الكلام الذي قصدت حكايته كما تقول : قرأت سورة أنزلناها وفرضناها ، أي جعلنا الناس يسلمون عليه في جميع الأجيال ، فما ذكروه إلا قالوا : عليه السلام . ومثل ذلك قالوا في نظائرها في هذه الآيات المتعاقبة .

وزيد في سلام نوح في هذه السورة وصفه بأنه في العالمين دون السلام على غيره في قصة إبراهيم وموسى وهارون وإلياس للإشارة إلى أن التنويه بنوح كان سائرا في جميع الأمم لأنهم كلهم ينتمون إليه ويذكرونه ذكر صدق كما قدمناه آنفا .

وجملة إنا كذلك نجزي المحسنين تذييل لما سبق من كرامة الله نوحا . و ( إن ) تفيد تعليلا لمجازاة الله نوحا بما عده من النعم لأنه كان محسنا ، أي متخلقا بالإحسان وهو الإيمان الخالص المفسر في قول النبيء صلى الله عليه وسلم الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وأي دليل على إحسانه أجلى من مصابرته في الدعوة إلى التوحيد والتقوى وما ناله من الأذى من قومه طول مدة دعوته .

والمعنى : إنا مثل ذلك الجزاء نجزي المحسنين . وفي هذا تنويه بنوح - عليه السلام - بأن جزاءه كان هو المثال والإمام لجزاء المحسنين على مراتب إحسانهم وتفاوت تقاربها من إحسان نوح - عليه السلام - وقوته في تبليغ الدعوة . فهو أول من أوذي في الله فسن الجزاء لمن أوذي في الله ، وكان على قالب جزائه ، فلعله أن يكون له كفل من كل جزاء يجزاه أحد على صبره إذا أوذي في الله ، فثبت لنوح بهذا وصف الإحسان ، وهو النعمة السابعة . وثبت له أنه مثل للمحسنين في جزائهم على إحسانهم ، وهي النعمة الثامنة .

وجملة إنه من عبادنا المؤمنين تعليل لاستحقاقه المجازة الموصوفة بقوله كذلك نجزي المحسنين فاختلف معلول هذه العلة ومعلول العلة التي قبلها .

وأفاد وصفه ب إنه من عبادنا أنه ممن استحق هذا الوصف ، وقد علمت غير مرة أن وصف ( عبد ) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة أشعر بالتقريب ورفع [ ص: 135 ] الدرجة ، اقتصر على وصف العباد بالمؤمنين تنويها بشأن الإيمان ليزداد الذين آمنوا إيمانا ويقلع المشركون عن الشرك . وهذه نعمة تاسعة .

وأقحم معها " من عبادنا " لتشريفه بتلك الإضافة ، على نحو ما تقدم آنفا في قوله تعالى إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم ، وهذه نعمة عاشرة ، وفي ذلك تنبيه على عظيم قدر الإيمان .

وفي هذه القصة عبرة للمشركين بما حل بقوم نوح وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وجعل نوح قدوة له ، وإيماء إلى أن الله ينصره كما نصر نوحا على قومه وينجيه من أذاهم ، وتنويه بشأن المؤمنين .

و ( ثم ) التي في قوله ثم أغرقنا الآخرين للترتيب والتراخي الرتبيين لأن بعض ما ذكر قبلها في الكلام هو مما حصل بعد مضمون جملتها في نفس الأمر كما هو بين ، ومعنى التراخي الرتبي هنا أن إغراق الذين كذبوه مع نجاته ونجاة أهله ، أعظم رتبة في الانتصار له والدلالة على وجاهته عند الله تعالى وعلى عظيم قدرة الله تعالى ولطفه .

ومعنى " الآخرين " من عداه وعدا أهله ، أي بقية قومه ، وفي التعبير عنهم بالآخرين ضرب من الاحتقار . ومما في الحديث أنه جاءه رجل فقال : إن الآخر قد زنى ، يعني نفسه على رواية الآخر بمد الهمزة وهي إحدى روايتين في الحديث .

وتقدم ذكر نوح وقصته عند قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا في آل عمران ، وفي الأعراف ، وفي سورة هود ، وذكر سفينته في أول سورة العنكبوت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث